كتاب وأراء

الأكراد قد يخسرون كل شيء في مقامرة الانفصال

بعد سنوات من الاختباء خلف شعارات فضفاضة وعبارات مبهمة قرر الأكراد في شمال العراق أن اللحظة التاريخية قد حانت للكشف عن طموحهم الحقيقي المتمثل في إنشاء دولتهم المستقلة التي منع قيامها حتى اليوم عوامل التاريخ والجغرافيا والنزاعات الإقليمية.
فالاستفتاء الذي شهده الإقليم يوم أمس الأول والذي يدعو الأكراد للتصويت على الانفصال عن العراق سيكون حتما مقدمة لزلزال جديد في المنطقة إذا ما أصرت القيادات الكردية على المضي قدما في فرض أمر واقع ترفضه جميع الدول الإقليمية وتتردد في تأييده القوى الدولية، لأن تمريره يعني ببساطة أن مساحات ضخمة قد تقتطع مستقبلا من سوريا وتركيا وإيران لتشكل مستقبلا مع كردستان العراق دولة كردستان التي ستفصل دولا كاملة عن بعضها وتشكل مصدر صداع وقلق للعديد من الحكومات في المنطقة.
لقد اعتقد الأكراد على ما يبدو أنهم سيتمكنون في مرحلة ما من فرض شروطهم على الأرض بقوة الأمر الواقع بعد أن أصبحت قواتهم الطرف المفضل أميركيا لمحاربة تنظيم داعش والمتطرفين في سوريا والعراق، وقد تزامن ذلك مع تسليح كبير وغير مسبوق للقوات الكردية بدعم لوجستي واستخباراتي إسرائيلي، وتأييد معلن من بعض الدول العربية التي ترى في قيام دولة كردستان فرصة لمعاقبة تركيا وإيران والعراق على مواقفها تجاه عدد من القضايا الإقليمية وربما أشغال هذه الدول بمعارك فرعية تتيح لها التفرغ لمخططاتها التي باتت معروفة في المنطقة.
لكن الأمر لن يمر بسهولة على ما يبدو خاصة أنه يعني للدول المحيطة بكردستان زعزعة استقرارها الداخلي والاستيلاء على جزء كبير من مقدارتها الاقتصادية وخلق كيان جديد معروف منذ زمن بأنه يعمل بتنسيق كامل مع إسرائيل لتحقيق مخططات لها علاقة بالموارد الطبيعية والأمن القومي لدولة إسرائيل.
لن تسمح الدول التي تضم إقليات كردية في أي حال من الأحوال بقيام دولة مستقلة للأسباب السابقة ولأن ذلك سيشجع حتما جماعات أخرى على المطالبة بالاستقلال أو حتى الحكم الذاتي ما سيؤدي إلى تفتيت دول إقليمية كبيرة أو إشعال اضطرابات دموية هي في غنى عنها.
إن قيام تركيا وإيران بإغلاق كافة حدودها مع إقليم كردستان وموافقة البرلمان العراقي على نشر قوات عراقية في المناطق الشمالية، مؤشر واضح على أن القادم هو معركة كسر عظم لا مكان فيها للمساومات، وقريبا سيضطر الأكراد المنتشون بانتصاراتهم العسكرية المدعومة أميركيا ضد داعش على الاختيار بين القبول بالواقع أو الدخول في صراع تشير جميع المؤشرات أنه قد ينتهي بسحق طموحاتهم لعقود طويلة قادمة.
بقلم : لؤي قدومي

لؤي قدومي