كتاب وأراء

لندن والمفاوضات القاسية

تتسع الانقساماتِ في حكومةِ المحافظين البريطانية التي تترأسها (تيرزا ماي) على خلفية المسائل المتعلقة بتفاصيلِ وآلياتِ خروج بريطانيا من مجموعة دول الاتحاد الأوروبي، والتي سَبَقَ وأن صوّت عليها الشارع البريطاني في وقتٍ سابق، وفاز مقترح الخروج بأغلبيةٍ ضئيلة.
لقد وصلت التوتّرات داخل الحكومة البريطانية إلى حدودٍ عالية، حين خرجت إلى العلن الأسبوع الماضي، عندما دعا وزير الخارجية بوريس جونسون إلى «انشقاقٍ كامل» وفوري عن الاتحاد الأوروبي دون الانتظار حتى العام 2019، في موقفٍ لا يؤيده المعتدلون الذين يخشون من أن توجهاً من هذا النوع سيدمّر علاقات بريطانيا بأكبرِ تكتلٍ تجاريٍّ في العالمِ بأسره.
وعلى ضوء تلك التباينات داخل حكومة المحافظين البريطانية، يبدو القلق الأوروبي مشروعا، فالانقسامات في حكومة (تيريزا ماي) المحافظة يُمكن أن تجعَلَ من أي تعهداتٍ جديدةٍ بشأن تفاصيل خروج بريطانيا من مجموعةِ الاتحادِ رمزيةٍ بشكلٍ كبير بالرغم من تصويت النواب البريطانيين، مؤخراً، لصالح مشروع قانون ينهي عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وقد أيّد القانون 326 نائبا مقابل 290. ويهدف القانون الذي تم اقراره إلى ابطال قانون عام 1972، الذي انضمت بريطانيا بموجبه إلى مجموعة الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تحويل 12.000 تشريع أوروبي موجود حالياً إلى التشريعات البريطانية.
تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية تعمل على مواصلة إجراء المفاوضات مع مجموعة دول الاتحاد الأوروبي في سعيها لتكثيف مباحثات خروج بريطانيا من مجموعة الاتحاد. حيث تعتقد تيريزا ماي بأن التحضيرات اللازمة لبريطانيا من أجل أن تتكيّف مع علاقة جديدة بالاتحاد الأوروبي تتطلّب فترة تطبيق تمتد سنتين، ستشهد بقاء العلاقات على حالها بين بروكسل ولندن في سبيل تأمين خروج سلس ومنظّم للمملكة المتحدة من مجموعة دول الاتحاد. ويبدو بان تلك المفاوضات تحتاج لجهدٍ دبلوماسي كبير، فبريطانيا تسعى لعقدِ صفقةٍ مستحيلةٍ تريد عملياً أن تحتفظ بصلاحيات العضوية في الاتحاد الأوروبي مع الانفصال عن الاتحاد على حدِ تعبير كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي ميشيل بارنييه في الأسبوع الماضي.
ومع انطلاق جولةٍ رابعةٍ من مفاوضاتِ خروج بريطانيا من مجموعة الاتحاد الأوروبي (بريكست)، اقترحت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إبقاء العلاقات مع بروكسل على حالها خلال فترة انتقالية تستمر سنتين بعد الموعد المفترض لـ«الطلاق» مع أوروبا في مارس 2019. ويعني ذلك استمرار لندن في دفع مستحقاتها ضمن موازنة الاتحاد الأوروبي، ومواصلة إخضاع رعايا الاتحاد المقيمين في بريطانيا لقوانين محكمة العدل الأوروبية، الأمر الذي يطالب به قادة مجموعة دول الاتحاد.
المشكلة هنا، تتلخص عند مجموعة دول الاتحاد أنها تعتقد بوجود «ضبابية كبيرة» في مواقف بريطانيا من ثلاث أولويات، أولها حقوق المواطنين من الرعايا الأوروبيين المقيمين في بريطانيا والمقدرة اعدادهم بنحو ثلاثة ملايين مواطن يعيشون حالياً في بريطانيا. وثانيها عدم اليقين من مسألة احترام بريطانيا لتعهداتها التي قطعتها خلال فترة عضويتها على صعيد موازنة الاتحاد التي تمتد حتى عام 2020، وتشمل التزاماً بالوفاء بتسديد نفقات خروج بريطانيا عن تلك الفترة، بكلفةٍ مقدرة بنحو عشرين مليار يورو خلال عامين. وثالثها مسألة الحدود مع إيرلندا العضو في مجموعة دول الاتحاد.
وهنا تركّز دول الاتحاد على الطلب من بريطانيا بالوفاء بكل التزاماتها الأوروبية خلال تلك الفترة الانتقالية إلى حين خروجها التام من مجموعة الاتحاد أوائل العام 2019، حيث بات من الواضح أن بريطانيا ستكون في نهاية الأمر خارج مجموعة الاتحاد، بينما يدور الجدل حالياً ضمن مجموعة الاتحاد لمواجهة تملص بريطانيا من مستوجبات الخروج المالية وغيرها، ومحاولتها الاستفادة من ابقاء الجسور مع الاتحاد دون دفع تكلفة ذلك.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان