كتاب وأراء

حــوار بين الصمت والكلام

أنا الصمت.. اعتدت ألا أتكلم أبداً.. وإن تكلمت فمع نفسي. حافظت باستمرار على سكوتي. لكني تعبت. لم أعد أحتمل ما أراه. أليس من حقي أن أصرخ ولو لمرة؟. أن يسمعني أحد ولو لبرهة؟. آلاف السنين والناس تحتقرني. يتصورونني جامداً بلا مشاعر. أحبطوني وأهملوني ولم يروا فضائلي مع أنهم لو اتبعوني لاهتدوا. لقد غسلت يدي منهم. لكنني اليوم أتألم. أريد شريكاً أبثه همي. طفت هنا وهناك ولم أجد إلا نقيضي. إنه الكلام. وجدته للعجب صامتاً مهموماً ومغتماً. توجهت إليه مضطرباً. «أيها الكلام أراك توقفت عن الكلام. لماذا؟. عسى ما شر؟».
نظر الكلام إليّ متعجباً ولم يعقب. واصلت حديثي وقلت «أيها الكلام لماذا ترمقني بعينين غيورتين؟. على ماذا تحسدني وقد حكم علي بخرس أبدي». فانفجر الكلام في وجهي قائلاً: «لكني أراك اليوم تنطق وليتك ما نطقت. أنا أحسدك بل وأمقتك لأنك في نعيم لا تقدره». قلت له «ولماذا تمقتني؟.» رد الكلام «لأنك الأذكى. فأنت لا تنطق وبالتالي لا يحاسبك أحد ولا يعاقبك أحد ولا يمسك أحد عليك خطأً». فقلت له «أتحسدني على إعاقتي؟». رد الكلام «اسمع أيها الصمت. أنا في ورطة. أقول الكثير وأحكي ما يحلو لي. لكن انظر. لقد رماني البعض بالكفر واتهمني آخرون بالغدر والخيانة. يقولون عني ثرثاراً عياباً سباباً ملفقاً منافقاً نماماً كذوباً. قالوا إني مجنون. أبعد هذا كله تتوقع أن أكون مسروراً؟».
«أنا الذي علمتهم النطق وأعطيت للسانهم الحركة وجعلت لمشاعرهم معنى ثم بعد هذا يقذفونني باللعنات؟ فلتسمعني أيها الصمت. لقد قررت أن أسكت مثلك. لم يعد البشر في حاجة إليّ. علمتهم فسبقوني. تفوقوا عليّ. سأكون حكيماً مثلك أيها الصمت وأصمت».
فرد الصمت: «مثلي أنا؟ وهل لي مثل؟ فأنا صبور أزلي فهل لديك صبر كهذا؟. ثم ها أنت تراني بنفسك كيف جننت وفقدت صبري. لتعلم أيها الكلام أن الصمت ليس سهلاً. لقد أفنيت حياتي أدعو الناس إليه علهم يتقون شروراً وقعوا فيها لما اتبعوك. لكن بعد أن أخبرتني أنك لست مسؤولاً عن شرورهم وأنهم خالفوا ما علمته لهم عرفت أنهم خانوك كما خانوني. دعني أشكُ إليك همي وتشكو بالمثل إليّ همك فإما أن تقنعني لماذا تريد أن تصمت مثلي وإما أن أحملك على أن تعلمني كيف أتكلم؟»
قال الكلام «أبعد ما قلته تريد إيضاحاً؟. إنهم خونة ومع ذلك يرمونني بالخيانة. ينسبون إليّ أخطاءهم. يصورونني شيطاناً ومصدراً يعلقون عليه خطاياهم. إنهم مثلاً يفبركون ويمكرون ثم يدعون أني سمحت لهم بذلك. أتريدني أيها الصمت أن أُطعن في شرفي هكذا كل يوم ثم لا أود أن أتحول إلى صمت؟».
صمت الصمت برهة وأحس بالصدمة. فكلام الكلام حق. لكن الصمت خاف على عرشه فقال للكلام. «اسمع أيها الكلام إني أتعاطف معك لكني أخشاك. أخاف أن يتغلب طبعك على تطبعك وأن تعود مهما صمت لتزعجني. وأنا كما تعلم لم أتكلم إلا الآن فقط بعد ملايين السنين ومن بعد كلامي الآن معك سأعود لأصمت لملايين أخرى. أما أنت فكلي ثقة في أنك ستعود لتزبد وترغي. وأنا لن أطيق ضجيجك برغم أني أيضاً لم أعد أطيق صمت نفسي».
قال الكلام «يا لك من حاقد. حتى حقي في أن أصمت لأيام تحرمني منه؟ فرد الصمت: أيها الكلام من حقك أن تكون أي شيء لكن لا تحاول أن تكون مثلي ليس فقط لأنك لن تستطيع، ولكن لأني اعتدت على العيش وحدي. لهذا فليس أمامك أيها الكلام إلا أن تمضي وحيداً وسوف أمضي أنا أيضاً فرداً. فأنت معذب بالضجيج والضجر وأنا معذب بالموت والجمود. وعذابي بلا شك أكبر. فأنت أيها الكلام تنطق فتخفف عن نفسك. أما أنا فأعي كل شيء ومع هذا لا أنبس ببنت شفة. ولما أعيتني السنون اختلست فرصة لقائك فحكيت لك عن همي لكني وجدت همك يفوق همي. فلنفترق».
«نعم أيها الصمت. كلانا محكوم عليه بالشقاء. أنا إن نطقت حاسبوني وأنت إن سكت احتقروك».
أدرك الاثنان أن لحظة الفراق قد حانت. ابتعدا عن بعضهما البعض وكل يقول للآخر «لا عيش لنا مع هؤلاء لا عيش لنا مع هؤلاء». وبرقة انسحب الصمت مودعاً الكلام قائلاً «حقاً إنهم لم يتعلموا منك آداب الكلام». فرد عليه الكلام بنفس الرقة «ولا هم تعرفوا منك على حكمة السكوت». افترق الصمت عن الكلام فصحوت من غفوتي لا أقوى على الصمت ولا أريد الكلام.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات