كتاب وأراء

كثيراً ما نقرأ «10»

قرأت مـؤخراً هـذه الجمل، وكثيراً ما أقـرأ وتقرؤون أمثالها: ينظر الأوروبيون لنا نـظرة فوقـية، وذات يـوم وصل لـه طرد كبـير، وأرســل له رسـالة تـتضـمن رداً قاسـياً، تحولت إحدى الكنائس إلى سـوبر مـاركت وأخـرى لمتجـر زهـور أو متجـر كتـب، وعادت منبج لـواجهـة المشـهد، تنتمي للجيل الثاني، واستمعت لأحاديث مطولة.
ما المشـترك بين هـذه الجمـل كلهـا؟ إنه حـرف «اللام» جاء بعـد فعـل متعـدٍّ. حروف الجر ميدان واسـع في اللغة العربيـة، ولكل حرف منها معانٍ كثيـرة حسـب اسـتعماله، حتى إن منهـا ما لـه خمسـة عـشـر معنى، لكن «اللام» ليس بين معانـيهـا المعنى الوارد في الجـمل السابقة. صحيح أن الحروف تتبادل الأمكنة، كما نقول: رضي الـلـه عنه، وأصلها: رضي الـلـه عـليه، ولكن حرف «اللام» لا يحل محـل «إلى» وهو الحرف الذي كان يجـب أن يأتي في الجمل السـابقة: عاد إلى، نظر إلى، أرسـل إلى، وصل إليه، انتمى إلى. وحـدها الجملة الأخيرة تحتمل الوجهين: استمع إليه، واستمع لـه.
يكثر الكتاب والمحررون من هذه الصيغة «في الوقـت الذي.... إلا أن... أو: غير أن..» كأن تـقـرأ «في الوقـت الذي تـطبـق فـيـه قـوات التحـالف عـلى المـوصل، إلا أن داعـش لم يسـتسـلم» وتلاحظـون ركاكة التعبـيـر، أو تـقرأ «في الوقـت الذي... غير أن الحوثيـين ما زالوا» وهذا تعبير ركيك آخر.
مبحث الاسـتثناء في النحو العربي طويل ومتشـعب، وأشـهر أدوات الاسـتثناء «إلا وسـوى وغير وخلا وعدا وحاشـا» وأشـهرها «إلا». لكن ركاكة الجملة التي أوردناها مثالاً لا تحمل معـنى الاسـتـثناء، فـإذا أعـدنـا ترتيـب كلمـات الجـملـة تـصيـر على النحـو التـالي «ما زال الحوثيون يـواصـلون عـدوانهم في الوقـت الذي تسـعى الأمم المتحدة إلى إحلال السـلام في اليمن». وفي الجملـة الأخرى «ما زال داعـش يواصل القـتال وعـمليـات التـفجير في الوقت الذي تطبق فيه قوات التحالف على الموصل» فأين الاستثناء؟
قليلاً ما أقرأ هـذه الكلمة «تسـعير» وربما لم أقرأها منذ سـنوات، كما قال كاتب «إن من شأن هذه التحركات تسـعير الأزمة بين البلدين» وقبل هـذا نعرف أن كلمة «تسـعير» تعني تـقدير السعر أو الثمن، وهي كلمة متداولة كثيراً في العاميـة، ولكنها فـصيحة صحيحة. واستخدام كلمة «تسـعير» في الجملة السـابقـة يبين بلاغة اللغة العربيـة وقوتها، فالأصل: سـعر (بفتح العين) النار وسعرها (بفتح العين المشددة) أوقدها وهيجها، ونار سعير: نار مسعورة. وقد وردت كلمة «سـعير» معرفـّة ثماني مرات في القرآن الكريم، كقوله تعالى في سـورة الملك «وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السـعير» ووردت ثماني مرات أيضاً نكرة منونة «سـعيراً» كقوله تعالى في سورة الأحزاب «إن الـلـه لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً» وهي بهذا المعنى مرادفة لجهنم، ويؤكد هذا ورود الفعل مرة واحدة مبنياً للمجهول في قوله تعالى في سورة التكوير «وإذا الجحيم سُـعـِّرت».
وعلى ذكر التسـعير بمعنى تـقدير السـعر، نـتذكر كلمـة أخرى هي «التـثمين» وتعـني تقدير الثـمن، ونـلاحـظ أن الكلمتيـن بمعـنى واحـد لولا بعـض التـفصيلات، ومنـه فـعل «ثـمن» (بتشديد الميم) لكننا نقرأ في الأخبار: وثمن مواقف الدولة في دعم أشقائها، وأكره أن يكون لمواقـف الدولة ثمن، حتى لو أضافـوا إليها فصارت «وثمن عالياً مواقـف الدولة» والأفضل أن نقول: وقدر تقديراً عالياً مواقف الدولة.
ونـتذكر أيضاً كلمة أخـرى هي «التـقيـيم» وليسـت في اللغة القـديمة، بل يقال «تـقويم» وهذه تعـني شـيئين: تقويم العود ليصير مسـتقيماً، وتـقويم الشيء أي تـقدير قيمته، وأرى أن كلمة التقيـيم مناسـبة بمعنى تـقدير قيمة الشيء، وتبقى تقويم على حالها في تقـويم الأشـياء، ومنه قوم سلوكه (بتشديد الواو).
كتبت في 21 مارس عن عيد الأم مترافقاً مع بداية فصل الربيع أو ما يسـميه الفرس النوروز أو النيروز (وورث العرب عنهم ذلك)، وتمثلت بيتين من قصيدة للبحتري:
أتاك الربيع الطلـْق يختال ضاحكاً.. مـن الحسـن حـتى كاد أن يـتكلـما
وقد نبـَّه النـيروز في غلس الدجى.. أوائـلَ ورْد كـنَّ بـالأمـس نُــوَّمــا
ولقيني صديق أحبه وأحترمه فقال: أحسنت باختيار البيتين، ولكن البحتري قال «في غسق الدجى» وعد إلى الديوان. وعدت إلى الديوان في أكثر من طبعة، ووجدته يقول «في غلس الدجى»، وتلاحظون أن الوزن (البحر الطـويل) لا يتأثـر بتغيـير الكلمة، فالكلمتان كلتاهـما على وزن «فـَعَل» فأيهما الأصح؟
غسَـق الليل: ظلمته، وقيل أول ظلمتـه، وقيل: إذا غاب الشـفق. والغلس: ظلام آخر الليل، وقيـل: أول الصبـح حتى ينتشـر في الآفاق، أو هـو ظلمـة آخر الليل إذا اختـلطت بضـوء الصباح، وهنا نغلب الفكر على قواعد اللغة.
هل بدأ النيروز ينبه الورود منذ ظلمة ما بعد الشـفق (الغسـق)؟ وعـملياً يعد هذا الوقت من اليوم الذي يسبق النيروز، أليس الأصح أن النيروز بدأ منذ الصباح الباكر تنبيه الورد التي كانت نائمة وإيقاظها؟ وقيل إن النبي صلى الـلـه عليه وسلم كان يصلي الصبح بغلس، أي في ظلمة آخـر الليل. وبناء على هـذا نقول إن البحتري كان دقيقاً، وجعل النيروز يصحّي الورود في الغلس.
كثيـراً ما نـقرأ «على الرحب والسـعة» ويضعونهـا ترجمـة للقـول الإنجليزي YOU ARE WELCOME وأرى أنها ترجمة موفقة، ولكن ما معنى قولنا على الرحب والسـعة؟ وكيف تقرأ الكلمتان؟
الرُحب (بضم الراء): السعة، فهل هو تكرار للمعنى للتأكيد؟ ورَحب: واسـع، ورجل رحب الصـدر: واسـعه، وقال الـلـه تعالى في سـورة التوبـة «وضاقت عـليكم الأرض بما رحُبت» ولم يرد هذا الفعـل إلا مرتين بالصيغة نفسـها في سورة التوبة، والقول: مرحباً، مشـتق من الرحابـة، وهـو التـرحـيب، ومعناه: رحَّب الـلـه بك مرحـباً، ورحّـب به: دعـاه إلى الرحـب (بفتح الراء) والسعة، فالرَحب هو الواسع. والخطأ الشائع في هذا القول وغيره هو «السعة» (بـكسـر السـين)، والصحيـح: السَـعة (بـفتح السـين المشـددة) وهي نقيـض الضـيق، ووسُـع وسـاعة فهو واسـع ووسـيع. والسَّـعة أصلها وسـعة. أما القول وسِـع (بكسـر السـين) كقوله تعالى في سورة البقرة «وسع كرسيه السموات والأرض» أي اتسع لها.
قرأت في مقالة مؤخراً «فلم ينبز ببنت شفة» وهذا خطأ، والمعروف «لم ينبس ببنت شفة» ولم يرد الفعل إلا في حالة النفي، فما معنى نبز ينبز؟ «نبز» عير بلقب، ورجل نُبَزَة يلقب الناس كثيراً، والتنابز: التعاير بالألقاب، وهو ما نهى عنه تعالى «ولا تنابزوا بالألقاب» ونفهم الجملة كلها بمعنى لم ينطق بكلمة، أما «بنت شفة» فهي الكلمة، فما معنى نبس؟
نبس: تكلم وتحركت شفتاه بشيء، وهو أقل الكلام، و«النُبُس» (بضمتين فوق النون والباء): الناطقون. إذن القول «لم ينبس ببنت شفة» أي لم ينطق بأقل الكلام.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين