كتاب وأراء

ولا تزال الهند تقدم النماذج والمفاجآت

تقدم الهند من وقت إلى آخر مفاجآت ونماذج للعالم. وكان آخر هذه المفاجآت قيام رئيس حكومتها «ناريندرا مودي» مؤخرا بتعديل وزاري منح من خلاله ابنة ولاية تاميل نادو الجنوبية السيدة «نيرمالا سيتارامان» حقيبة الدفاع خلفا لـ «آرون جايتلي» الذي عين وزيرا للمالية. وبهذا أصبحت سيتارامان أول امرأة هندية تشغل حقيبة الدفاع وتستقل بها في تاريخ بلاده (إذا ما استثنينا احتفاظ رئيسة الحكومة الاسبق أنديرا غاندي بالمنصب لنفسها لفترة قصيرة مرتين خلال الستينات والسبعينات).
وبهذا أصبحت سيتارامان أيضا واحدة من ضمن 17 امرأة شغلن هذا المنصب الرفيع في العالم حتى الآن، بل ربما هي الأبرز على هذا الصعيد إذا ما أخذنا في الاعتبار مسؤوليتها عن الجيش الهندي الذي يُصنف ضمن قائمة أقوى 10 جيوش في العالم، ناهيك عن أمر آخر هو مشاركتها لثلاث وزراء آخرين (بينهم وزيرة الخارجية) في «لجنة الشرطة الحكومية» المسؤولة عن قضايا أمن البلاد.
والجدير بالذكر أن مودي حرص في أول تشكيلة وزارية قدمها بُعيد توليه منصبه في 2014 على توزير أكبر عدد ممكن من النساء في حكومته، فمنح ست حقائب لهنديات تنوعت تجاربهن وخبراتهن وأتين من خلفيات عرقية وثقافية ودينية وجهوية مختلفة. وكان أبرزهن وزيرة الخارجية الحالية السيدة «سوشما سواراج» التي دخلت التاريخ الهندي ــ مثل زميلتها سيتارامان ــ لكن كأول وزيرة مستقلة بحقيبة الخارجية.
في أعقاب اختيارها لشغل حقيبة الدفاع عقبتْ سيتارامان على الحدث بالقول: «إنه نموذج رائع لكل البلاد التي تقتدي بالهند، ولكل من يراقب الهند ويتساءل عما يجري لنسائها».
نعم. إنه نموذج ودرس لجهة وضع الثقة في نساء الوطن ومساواتهن مع الرجال في المناصب السيادية الرفيعة دون خوف أو تردد. وهو من جهة ثانية نموذج ودرس لجهة انتقاء النساء من ضمن أصحاب الخبرة والكفاءة دون النظر إلى خلفياتهن الاثنية أو الثقافية أو الجهوية. وللهند، في هذين السياقين، تجارب مشهودة. إذ سبق لبرلمانها أنْ إنتخب في 2007 لاعبة التنس السابقة «براتيبا باتيل» كأول امرأة لشغل منصب رئاسة الجمهورية، علما بأنها قبل ذلك كانت قد درست القانون ومارست المحاماة ونالت مقعدا في برلمان ولاية مهاراشترا، وشغلت وزارات الصحة والاسكان والتعليم ما بين 1962 ــ 1985 وحازت على منصب نائب رئيس مجلس الشيوخ في الفترة من 1986 إلى 88، وتولت منصب حاكم ولاية راجستان. وهاهي الهند عادت ومنحت ثقتها لإمرأة صاحب خبرة ومراس من نسائها الموهوبات لشغل حقيبة دفاعها، علما بأنها شغلت من قبل مناصب: الناطق الرسمي باسم حزب «بهاراتياجاناتا» الحاكم، وزيرة دولة للمالية، وزيرة التجارة والصناعة، عضومجلس الشيوخ عن ولاية اندرا براديش، وتشغل حاليا عضوية مجلس الشيوخ عن ولاية كارناتكا.
لكن قبل هذا الحدث، الذي أعطى المرأة الهندية دفعة معنوية أخرى في سلسلة محاولات الارتقاء بها منذ سنوات الاستقلال الأولى، كان هناك حدث آخر في يوليو المنصرم شد أنظار المراقبين. ونعني بهذا الحدث إنتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفا للرئيس المنتهية ولايته «براناب موخرجي». حيث انتخبت الهيئة الانتخابية المكونة من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ والمجالس التشريعية المحلية السياسي المحامي المخضرم وعضو مجلس الشيوخ السابق ما بين 1994 و2006 «رام نات كوفيند» ليصبح الرئيس 14 في تاريخ الهند المستقلة.
صحيح أن الكثيرين ينظرون إلى منصب رئاسة الجمهورية في الهند كمنصب شرفي، على الرغم من أن صاحبه هو رأس البلاد والقائد الأعلى للجيش، ناهيك عن أنه وحده يتمتع بحق حل البرلمان وتسمية رئيس الحكومة في حالات النتائج غير الحاسمة في الانتخابات العامة، وصحيح أن البعض استاء من إنتخاب «كوفيند» كونه أول رئيس ينتمي إلى الحركة القومية الهندوسية، لكن الصحيح أيضا هو أن جل المراقبين رحبوا بانتخابه بسبب انتمائه لطبقة الداليت أو المنبوذين التي تقع في أسفل السلم الاجتماعي وتعاني الحرمان والاقصاء والفقر، وذلك على أمل أن يساعد إنتخابه في تحسين ظروف أبناء هذه الطبقة المقدر عددهم بمائتي مليون نسمة، ناهيك عن سبب آخر هو أن الحدث مؤشر على أن الهند تساوي بين مواطنيها لجهة وصولهم إلى المنصب الأعلى في البلاد.
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني