كتاب وأراء

ذكرى الهجرة والحصار

ورد في كثير من الكتب حول الإمام محمد عبده أنه عندما زار بعض الدول الأوروبية وعايش عن قرب تعامل الأوروبيين مع بعضهم البعض ثم مع غيرهم قال مقولته الشهيرة التي لايزال صداها يتردد في جنبات الزمان: «هناك في أوروبا إسلام بلا مسلمين، وهنا مسلمون بلا إسلام»، كما يحدث أن نسمع كثيرا من الناس في كل الدول الإسلامية تقريبا يصفون حال المسلمين اليوم بالقول: «نحن مسلمون بالاسم فقط» أي أن المسلمين لا يطبقون تعاليم دينهم في هذه المرحلة من تاريخهم، وقد اختصروها في الأركان فقط، بل إن الأركان تم إهمالها من قبل كثير من المسلمين، وتم تعطيل أحدها وهو ركن الحج من قبل دولة المفروض فيها أنها المسؤولة عن تسهيل هذه الفريضة على المسلمين، وأقصد المملكة العربية السعودية التي حرمت حجاج قطر من أداء الركن الخامس بسبب خلاف سياسي لا دخل للحجاج فيه!.
تذكرت مثل هذه المقولات كثيرا هذه الأيام المباركة التي تحتفل فيها الأمة الإسلامية بذكرى الهجرة النبوية، وقد ودَّعت عاما هجريا مضى واستقبلت عاما جديدا أتى، وتذكرتُ أن من أوائل الأعمال الخالدة التي بدأها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فور وصوله إلى مدينة يثرب مهاجرا من مكة المكرمة كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وطاف بخاطري سؤال: ألم يفطن المسؤولون في دول الحصار الشقيقة وخاصة السعودية أنهم يفعلون عكس ما فعله الرسول الكريم، وبدلا من أن يحافظوا على المؤاخاة القائمة بين شعب الخليج يمزقونها، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك بقطع الصلات العائلية للأسر المشتركة التي يتوزع أفرادها في دول الخليج، فأين السعودية إذن حاضنة الحرمين في مكة التي هاجر منها الرسول والمدينة التي هاجر إليها وجرت المؤاخاة على أرضها من المؤاخاة!؟ وأسئلة كثيرة مشروعة تفرض نفسها.
لقد نبه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه إلى هذه المأساة الإنسانية في خطابه التاريخي أمام الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة بقوله مخاطبا العالم بأسره: «في كل مرة أقف هنا أدافع عن التعاون الدولي البناء والسلام العادل وحقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وتلك التي تتعرض إلى جرائم ضد الإنسانية، والواقعة تحت الحصار، وفي هذه المرة أقف هنا وبلدي وشعبي يتعرضان لحصار جـائر مـستمـر، فرضتـه دول مجاورة منذ 5 يونيو الماضي، ويشمل هذا الحصار كافة مناحي الحياة بما في ذلك تدخل الدول لقطع الصلات العائلية».
في الوقت الذي شرَّعت فيه دولة قطر أبوابها لأبناء شعب الخليج، نجد دول الحصار تغالي في تمزيق النسيج العائلي الخليجي مع أن الشعوب الخليجية بما فيها شعوب الدول المحاصِرة نفسها والعائلات المشتركة لم ترتكب ما يجعلها تستحق هذا التشتت.
كان ينبغي على دول الحصار الشقيقة أن تستلهم من ذكرى الهجرة معاني الأخوة والإنسانية، فتخفف وطأة الحصار على العوائل الخليجية، وتهاجر من الافتراءات والأكاذيب إلى الصدق مع النفس ومع الغير، ومن حالة التوتر التي افتعلتها بدون داع إلى حالة الوئام والصفاء، ومن حالة الحرب الإعلامية التي تشنها ضد قطر إلى خطاب التهدئة والاتزان وعودة الهدوء النفسي وراحة البال إلى المواطنين الخليجيين.
نتمنى أن تنتهي هذه السحابة في أقرب وقت، وأن يكلل الله جهود الوساطة الكويتية التي يبذلها صاحب السمو أمير دولة الكويت انطلاقا من قول الله تعالى: «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم» والله المستعان.

بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي