كتاب وأراء

مصير الاتفاق النووي هل يمكن لواشنطن أن تنسفه؟

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه في الأمم المتحدة أن الاتفاق النووي مع إيران هو من جانب واحد وهو أسوأ اتفاق في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.
هذا الكلام لـ ترامب يندرج في سياق المواقف التي أعلنها من الاتفاق منذ تسلمه موقع الرئاسة، لكن الجديد فيه القول إنه من جانب واحد وهو الأسوأ بالنسبة لأميركا، فهل فعلاً هو كذلك؟. وما هو مصير الاتفاق النووي هل يمكن لواشنطن أن تنسفه؟
أم أن ذلك مستحيل؟. وأخيرا ما هي النتائج في حال قررت إدارة ترامب الانسحاب رسميا من الالتزام بالاتفاق؟
أولا: تضمن كلام ترامب مغالطات واضحة في توصيف الاتفاق بأنه من جانب واحد. فالعالم كله يعرف أن الاتفاق إنما هو اتفاق دولي وقعته مجموعة الخمسة زائد واحد مع إيران والتي تضم أميركا، الصين، روسيا، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا. وبعد ذلك صادق عليه مجلس ا?من الدولي فأصبح اتفاقا دوليا ملزما لجميع الدول. وهذا يعني إما أن ترامب جاهل لهذه الحقيقة وهذه مصيبة، أو أنه تعمد تجاهل ذلك وهذا لا يغير من الواقع شيئا. لأنه يبقى كلاما للاستهلاك وإيصال الرسائل إلى الداخل الأميركي بالمزايدة على معارضيه الذين أيدوا الاتفاق عندما وقعته أميركا في عهد الرئيس باراك أوباما. وبالتالي فإن كلامه يوضع في خانة السجال الداخلي الأميركي.
أما بشأن القول بأن الاتفاق هو الأسوأ بتاريخ أميركا فهذا أمر أيضا فيه مغالطة، لأن إدارة أوباما عندما أقدمت على التوقيع عليه، بعد مفاوضات طويلة وشاقة، كانت أميركا أمام ثلاثة خيارات، الأول أن تبقي على سياسة الحصار وهي سياسة لم تفلح في منع إيران من تطوير برنامجها النووي وامتلاك القدرة على إنتاج الطاقة النووية للأغراض السلمية، وإذا ما استمرت في اعتماد هذه السياسة فإنها لن تنجح في منع إيران من مواصلة التطوير وامتلاك القدرة، إذا أرادت، على إنتاج القنبلة النووية، فيما دول العالم لن تؤيد هذه السياسة الأميركية لكونها عديمة الجدوى، وغير مبررة. أما الخيار الثاني فكان اللجوء إلى شن الحرب ضد إيران لتدمير برنامجها النووي وقدراتها العسكرية وبنيتها التحتية، لكن مثل هذا الخيار تبين أنه سيجر المنطقة إلى حرب واسعة وإلحاق الضرر الفادح بالمصالح الأميركية وتعطيل تدفق النفط من مضيق هرمز والتجارة الدولية، عدا عن أنه لن يتمكن من تدمير المنشآت النووية الإيرانية الموجودة في أماكن محصنة جدا، وجل ما يمكن أن يحققه إعاقة تطوير البرنامج النووي لمدة سنة. انطلاقا من ذلك وجدت إدارة أوباما أن خيار الاتفاق كان الأقل سوءا بالنسبة لأميركا. لكن إذا كان ترامب يقصد بأن الاتفاق هو الأسوأ من زاوية فشل السياسة الأميركية في إخضاع إيران ومنعها من انتهاج سياسات مستقلة، بعيدا عن التبعية للولايات المتحدة، فيمكن القول بأن ترامب قد أصاب في توصيفه هذا.
ثانيا: أما إذا كان ترامب يسعى من خلال كلامه المذكور آنفا إلى نسف الاتفاق أو تعديله، فإن ذلك غير ممكن، فالغاء الاتفاق أو تعديله يحتاج إلى قرار دولي جديد، أي إجماع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي بالدرجة الأولى، وهو أمر مستحيل، فإذا كانت كل من روسيا والصين تعارضان ذلك بشدة وهما تقفان إلى جانب إيران. فإن الدول الغربية الموقعة أعلنت معارضتها لإلغاء الاتفاق، بل أنها أطلقت مواقف محرجة لواشنطن وتجعل الأخيرة في موقف يغرد وحيدا، وظهر ذلك في المواقف التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أعلن خلال اجتماعه مع الرئيس الإيراني حسن روحاني: أن «فرنسا ملتزمة بالاتفاق النووي وتدعم تنفيذه كاملا». كما ظهر في شهادات المفتشين الدوليين التابعين لوكالة الطاقة النووية التي تشرف على تنفيذ الاتفاق من قبل إيران حيث قالوا: «لا تزال إيران ممتثلة بالكامل لبنود الاتفاق»، وقد صادق على كلام المفتشين، مدير الوكالة يوكيا أمانو الذي أكد أن «تقرير الوكالة الدولية الأخير، الأول من سبتمبر الجاري، لم يأت على ذكر أي مخالفات ارتكبتها إيران». مشيرا إلى أن لدى الوكالة أكثر أنظمة الرقابة صرامة في العالم.
وطبعا هذا هو حال المواقف الأوروبية الأخرى التي تنطلق من حسابات براغماتية تقول إذا كان من المستحيل منع إيران من إنتاج الطاقة النووية للأغراض السلمية فأقله ضمان عدم إنتاجها السلاح النووي، كما فعلت كوريا الشمالية، وهو ما حذر منه وزير الخارجية الفرنسي، وكذلك الاستفادة من المنافع الاقتصادية الناتجة عن حصول الشركات الأوروبية على عقود استثمار في إيران.
ثالثا: انطلاقا مما تقدم فإن أميركا لا يمكنها نسف الاتفاق أو تعديله، لأنها ليست الطرف الوحيد الموقع عليه، لكنها تستطيع الانسحاب منه فقط، من دون أن تلغي مفاعل استمراره بين إيران والدول الأخرى الموقعة عليه، ويترتب على ذلك بالطبع أن تظهر أميركا بمظهر من لا يلتزم بالاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها، وأنه لا يمكن الوثوق بأي اتفاق معها، وهذا يفقدها المصداقية تجاه جميع الدول بما فيها الدول الحليفة لها.
من هنا فإن إصرار واشنطن على العزف المنفرد ومحاولة العودة إلى سياسة تلفيق الاتهامات ضد إيران لتبرير فرض حظر اقتصادي عالمي أن لم تمتثل لشروط معينة خلال مهلة زمنية لا تتعدى 90 يوما، منها السماح للمفتشين الدوليين الدخول إلى منشآتها العسكرية، وفق نص مذكرة تنوي إدارة ترامب ارسالها إلى الكونغرس بغية كبح ما أسمته جماح برنامج إيران الصاروخي الذي لا يخضع لنصوص الاتفاق المبرم معها. أن مثل هذه السياسة لن تلقى تأييدا دوليا لكونها تسعى إلى تعديل الاتفاق وهو أمر لا يمكن لأميركا التفرد به عدا عن أنه يحتاج إلى قرار دولي جديد وهو أمر مستحيل.
خلاصة الأمر فإن واشنطن سوف تكون هي الخاسرة إذا ما حاولت الخروج من الاتفاق. العالم لن يسير خلفها، فيما هي ستخسر المنافع الاقتصادية التي كان من الممكن أن تحصل عليها شركاتها لو أنها لم تسلك هذا الطريق المخرب والمحرض على عدم الالتزام بتنفيذ الاتفاق. لهذا كله فإن سياسة ترامب وفريقه تواجه مأزقا كبيرا وتجعل السياسة الأميركية الخارجية في حالة اضطراب وتصادم مع مصالح حتى أصدقاءها الغربيين، وهو ما ظهر أيضا في الموقف من إقدام واشنطن على فرض المزيد من العقوبات على روسيا، ما دفع ألمانيا إلى الاعتراض عليها أنها تمس بمصالحها.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي