كتاب وأراء

العمدة صادق خان.. ومراجعة لحلم الإنسان

قبل أن تصل سنة 1970 إلى نهايتها حط في لندن رجل وإمرأة قادمين من باكستان معهما أربعة أطفال. وبعد بضعة أسابيع من وصولهما إلى عاصمة الضباب رُزق «أمان الله» و«سهرون خان» بطفل خامس أسمياه «صادق» هو الذي الذي أصبح قبل أيام قليلة عمدة للعاصمة الإنجليزية لندن. والعمدة الجديد واحد من ثمانية أبناء لأب مكافح عمل سائقاٍ للحافلات وأم مثابرة اشتغلت من بيتها في حياكة الملابس. ولم تكن حياة الأسرة المكونة من عشرة أشخاص سهلة في شقة صغيرة متواضعة في جنوب غربي العاصمة البريطانية. لكنها كانت باليقين أفضل من حياتها من قبل في باكستان وإلا لما كانت قد هاجرت.
لقد هاجرت أسرة «خان» وآلاف الأسر المسلمة والعربية إلى أميركا وكندا وأروبا وأستراليا من أجل حلم يراود كل إنسان. حلم يشعر فيه الإنسان بأنه إنسان. أنه مواطن وأن الأبواب مفتوحة أمامه. أن له حقوق لا مساومة عليها وفرص للترقي لا يسرقها منه القادرون والواصلون والمسنودون. وقد تحقق حلم «صادق خان»، ومن قبله تحقق حلم المغربي الأصل «أحمد أبو طالب» الذي أصبح في 2009 عمدة لمدينة روتردام الهولندية، وحلم مغربية أخرى هي «سعاد السباعي» التي انتخبها الإيطاليون ممثلة لهم في البرلمان، وكذلك حلم المصرية الأصل «نجوى جويلي» التي أصبحت أصغر نائب في تاريخ البرلمان الإسباني. تحققت أحلامهم وأحلام كثيرين غيرهم وجدوا في الغربة وطناً بعد أن شعروا هم وأباؤهم في الوطن بالغربة.
لقد حلم «خان» في الغربة بأن يكون إنساناً مختلفاً يتجاوز الحواجز العرقية والدينية لينشغل فقط بكفاءة الأداء. تمنى أن يحقق ما حققه «ناز بخاري»، ناظر مدرسته الذي كان أول مسلم يتولى منصباً كهذا متخطياً كل العوائق التي تحول دون التفاعل الحر بين الإنسان وباقي الناس. حلم بإنسان آخر واسع الأفق غير الذي تركته أسرته وراءها في بلد المنشأ والبلاد الشبيهة بها، والذي لا ينظر إلى الكون إلا من ثقب إبرة. أصبح «صادق» عمدة لعاصمة تحتضن العالم فيما لم ير البعض في باكستان إلا أنه باكستاني. واستفز ذلك البعض في الهند فردوا بأن عمدة لندن لو كان باكستاني فإن باكستان ذاتها خرجت من رحم الهند. وعلى نفس الشاكلة الضيقة خرجت تغريدات وتعليقات ينظر أصحابها إلى العالم من ثقب إبرة، اعتبرت أن العمدة الجديد هو هداية الإسلام لأوروبا الكافرة.
أما الرجل فلم ينجح لأنه باكستاني أو مسلم وإنما لأنه حظي بثقة الإنجليز ولأنه يتفهم طابع مدينتهم التي تصطبع بكل الأديان والعرقيات والألوان البشرية ولأنه طرح عليهم برنامجاً يلبي تطلعاتهم. المسلمون في لندن لا يستطيعون لو اجتمعوا كلهم أن يساعدوا «خان» على الفوز». فنسبتهم لا تتجاوز 12.4% من سكانها البالغين نحو 8.6 مليوناً. أما صادق خان ففاز بنسبة 57%، ما يعني أن كثيرين أرادوه لأنهم عرفوه ولأنهم وجدوا في برنامجه وشخصيته ما يطمئنهم.
فالرجل يملك خبرة واسعة. فهو محام سابق ومدافع عن حقوق الإنسان وعضو بمجلس العموم ووزير سابق. تعهد بعدم رفع أسعار المواصلات العامة خلال السنوات الأربعة لولايته وقدم مقترحات لخفض الإيجارات الباهظة وتحسين مستوى الخدمات. ناهيك عن صورته الطيبة كرجل مثابر قدم من خلفية متواضعة ليثبت أنه الأكفأ. فقد تفوق وقت أن كان حزب العمال يبحث عن مرشح له لمنصب عمدة المدينة على أسماء كبيرة منها البارون «جويل».
إن حلم «صادق خان» حلم جميل ومشروع. أن يكون المستقبل للمدينة المفتوحة والعقول المفتوحة والقلوب المفتوحة. قصته تختصر رحلة الإنسان الذي يولد في مكان ما ثم يرحل ليحيا ويُعمّر ويتفوق في مكان آخر ما أن يعطيه الفرصة إلا وأعطاه باخلاص. «صادق خان» لم ينجح لأنه مسلم. وسوف يترك منصب العمدة بعد مدة أو اثنتين ليس لأن مؤامرة ستحاك ضده وإنما لأن مرشحاً آخر سيتفوق عليه ولأن هناك كذلك قواعد تنظم مدة الولاية العامة. وقد يصبح «خان» رئيساً للوزراء. ولما لا؟ فالأحلام في البلدان المنفتحة ليس لها سقف. إنها بلدان برغم كل مشكلات المهاجرين التي تعيشها ما زالت تعرف كيف تستوعب كل ثمرة تصل إليها بغض النظر عن لونها ودينها تاركةً خلفها من لا هم لهم سوى التهليل والتفكير بالأماني.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات