كتاب وأراء

«كالمستغيث من الرمضاء بالنار»

«وقفت أمامها ولاحظت نظرةً جدِّيةً حازمةً في عينيها، كانت هناك عقدة محكمة أسفل جبهتها، تجاهلت وجودي تمامًا وكأنني كائنٌ غير مرئي، نظرات عينيها تحمل مزيجًا من تعابير الغضب وتعابير الاستغراب وكثيرًا من الاهتمام، فأحداقها تذهب إلى أقصى اليسار لتعود بعدها يمينا بحركة منضبطةً رتيبةً. حين نظرت إلى ناحية تركيز عينيها الجديتين وقع نظري على ذلك الكائن الأنيق بين يديها وقد أسندته على سبابتيها واقفلت عليه بإبهاميها حيطة وخشية واهتماما، كالأم التي تحمل رضيعها في جو عاصف أو كمن يقبض على عروة وثقى فيها سر نجاته. لم أتمالك نفسي وقتلني الفضول لأعلم بماذا كانت تفكر وما هو سر كل ذلك التركيز والاهتمام الذي أوصلها لحد الانفصال عن الواقع. حتى أنني ولوهلة نسيت لم أتيت. لم أتجرأ أن أنبس ببنت شفة، وصبرت كما يصبِر التلميذ المطواع بانتظار إشارة من معلمه وأنا أراقب حركات أناملها الرشيقة تتحرك في رقصة غريبة على ذلك الكائن. لم أتمالك نفسي وشعرت بنوع من الارتياح حين بدأ مشروع ابتسامة يرتسم على ثغرها. وحين أخذني التفكير فاجأني صوت من ناحيتها يقول «تفضلي، ماهي معاملتك؟» وقد قطبت حاجبيها أكثر من ذي قبل وهي تضع هاتفها الذكي قرب فنجان القهوة».

تحت الظلال الثقيلة لمتطلبات العصر وضغوطات الحياة أضحى بعض البشر عبوسًا يؤوسًا يتوقع الشرَّ ممن يحيطون به، لا يحب التّعامل مع النَّاس ولا يجيد فنَّ التخاطب والحوار، انقتلت في داخله حب المساعدة ونزعة العمل الجماعي، وصار يرى في كل شخصٍ حوله عدوا محتملا يحاول أن يسرق منه وقته وجهده. والمصيبة الكبرى حين يكون عمل من جرى وصفه توًا يتعلق بملاقاة الناس المتكررة كالسكرتارية وموظفي خدمة العملاء وما يسمى عمومًا بالمكاتب المتقدمة أو الأمامية «فرونت ديسك». وعندما نستدعي مديره لنشكي له همنا وحزننا مما آلت إليه حالنا، نكون، وكما قال الشاعر، «كالمستغيث من الرَّمضاء بالنار». فمديره أعبس وأتعس. وسؤالي غير البريء هو: هل تدفع الشركات رواتب لموظفيها كي يأتوا ويمارسوا هواية التواصل الاجتماعي مع الأحبة والأصحاب؟ وإذا كان جواب سؤالي لا، فلم يسمح لهم بحمل هواتفهم خلال فترة العمل؟

بقلم : دانة درويش

دانة درويش