كتاب وأراء

شـعبـك مــن يـعتـز بــك

رأى العالم بأسره وسمع كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثانية والسبعين، وهو يشرح بكل ثقة وشموخ وعزة وكرامة وثبات سياسة قطر الخارجية في بيان اتسم بالصراحة والوضوح، ووضع النقاط على الحروف، مستهلا إياه بمجموعة من المبادئ الإنسانية التي تصلح لأن تكون دستورا تعتمده الأمم المتحدة لتوصيف العلاقات بين الدول وإلزام الجميع به، فقال سموه: «يمثل حفظ السلم والأمن الإقليمي والدولي أولوية في السياسة الخارجية لدولة قطر والتي تستند في مبادئها وأهدافها إلى ميثاق الأمم المتحدة وقواعد الشرعية الدولية الداعية إلى التعاون البناء بين الدول والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحسن الجوار وتعزيز التعايـش السلمي واتباع الوسائل السلمية لتسوية النزاعات».
أليست هذه هي المبادئ بعينها التي تشكل الطموحات الأساسية لشعوب العالم، والتي تنشدها الأنظمة السياسية السوية وتسعى لترسيخها والتمكين لها، وألم تكن هذه هي القيم التي ينادي بها الفضلاء والنبلاء وقادة الفكر حول العالم على مر التاريخ؟.
إذا حل التعاون البناء محل التآمر الهدام، وعمَّ الاحترام وحسن الجوار بين الدول بدلا من الغرور والغدر، سوف تحيا كل الأطراف في أجواء من الإخاء والتعايش السلمي، بعيدا عن أنماط التوتر والمعاناة التي لا تستثني طرفا دون الآخر من الأطراف المتنازعة، حتى لو خُيِّل له أنه صاحب الغلبة.
هذا الاستهلال في حد ذاته نسف كل أكاذيب وافتراءات دول الحصار التي من المفروض أن تخجل من نفسها بعد أن تحداها أميرنا «تميم المجد «أمام زعماء العالم أجمع ورؤساء الوفود بأن تأتي بدليل واحد على صدق ادعاءاتها وأكاذيبها التي شكلت مادة أساسية لوسائل إعلامها ومواقع التواصل الاجتماعي عندها، فقال: «لم نتفاجأ وحدنا من فرض الحصار، فقد تفاجأت معنا دولٌ كثيرة شكّك قادتُها بدوافعه وأسبابه، وقد وعدت الدول المحاصِرة كل من سألها عن أسباب الحصار أن تقدم له الأدلة عن مزاعمها العبثية وافتراءاتها ضـد قطـر، والتي تغيرت حسب هوية المخاطَب. وما زال الجميع ينتظر أدلةً لم تصل ولن تصل، لأنها غير موجودة أصلا، ويوجد نقيضها الكثير من الأدلة حول مساهمة قطر في محاربة الإرهاب باعتراف المجتمع الدولي كله».
فلو أن هذه الدول الشقيقة التي تحاصر قطر تملك ولو دليلا واحدا على افتراءاتها ما توانت ولو ثانية واحدة للكشف عنه أمام العالم بعد هذا التحدي الجريء والواثق، الذي جعلها تقف صاغرة عارية من الصدق والصحة، لأنها ليست في مستوى هذا التحدي، وليس هذا فحسب بل جدد صاحب السمو حفظه الله ورعاه التذكير بالجريمة التي ارتكبتها هذه الدول في حق قطر مع سبق الإصرار، وهي جريمة قرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية، وبث تصريحات مفبركة، مما يشكل اعتداء على دولة ذات سيادة يستوجب العقوبة من المجتمع الدولي.
ومن الحقائق التي يجب أن يفطن لها المجتمع الدولي أن دول الحصار هذه تمارس بحصارها نوعا من الإرهاب، فمنع وصول الغذاء والماء والدواء إلى محتاجيه هو نمط من الإرهاب بمعناه الواسع ومفهومه السليم، وهذا ما نبه إليه صاحب السمو حفظه الله ورعاه حتى لا تفلت الدول الشقيقة المحاصرة لقطر من المساءلة فقال سموه: «لقد قامت الدول التي فرضت الحصار الجائر على قطر بالتدخل في الشؤون الداخلية للدولة عبر الضغط على مدنييها بالغذاء والدواء وصلات الرحم لتغيير موقفهم السياسي لزعزعة الاستقرار في دولة ذات سيادة. أليس هذا أحد تعريفات الإرهاب؟».
لذلك وجب على المنظمات الدولية أن تضع مفهوما أشمل وأوسع للإرهاب يدخل ضمنه أي حصار ظالم وجائر تمارسه بعض الدول متى يحلو لها، وبدون أسباب اللهم إلا استنادا إلى أكاذيب وافتراءات هي صانعتها، وبدون صدور قرار من الأمم المتحدة، وإلا تحول العالم إلى مجتمع فوضوي أو كيان يحكمه قانون الغاب.
هذه الدعوة من صاحب السمو حفظه الله تعالى ورعاه نابعة من صميم أخلاق القطريين وليست من ضعف أبدا، لأن قطر رغم الحصار تسيِّر أمورها وتدير حياتها حالياً بنجاح بفضل وجود معابر ليس لدول الحصار سيطرة عليها، كما قال سموه.
وفي الوقت الذي برهن فيه صاحب السمو للعالم على أن دول الحصار هي التي تمارس الإرهاب، برهن على أن قطر هي التي تكافح الإرهاب بكل الوسائل وتشهد على هذا الدول التي بينها وبين قطر اتفاقيات في هذا الصدد، بل ودور قطر في القضاء على الفقر والجهل إذ أكد صاحب السمو حفظه الله أن دولتنا تحتل الترتيب الثالث بين الدول المانحة، وأنها تشارك في تجفيف منابع الإرهاب بمبادرة لتعليم سبعة ملايين طفل حول العالم، ومعلوم للجميع أن الفقر والجهل والبطالة من الأسباب الجوهرية لانتشار الإرهاب، وهذا ما كان قد أكد عليه أيضا السيد أطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة في كلمته التي افتتح بها أعمال الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
ولإثبات حسن النوايا حرص صاحب السمو على تجديد الدعوة للحوار مع دول الحصار، ولكنه الحوار القائم على الاحترام المتبادل وغير المشروط الذي يحفظ للجميع حق السيادة، لأن قطر ليست الدولة التي تخضع أو تنصاع للإملاءات والضغوطات بشتى أشكالها، فالشعب القطري قوي وصامد، لذلك حرص صاحب السمو حفظه الله على تحية صمود شعبه أمام العالم أجمع فقال: «أعتز بصمود شعبي في ظروف الحصار ورفض الإملاءات بعزة وكرامة».
وشعبك بدوره يا سمو الأمير يقول لك: «بل نحن الذين نعتز بك ونفخر بأنك قائدنا وملهمنا، ولن تجد منا إلا ما تقر به عينك، والله على ما نقول شهيد».
بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي