كتاب وأراء

: الفرق بين «الصندوق» و«البنك» الدوليين (3)

عرضنا في الأسبوعين الماضيين الفرق بين الصندوق والبنك الدوليين من حيث تاريخ نشأتهما وكيفية تكوينهما. كما فصلنا الأدوار الأساسية والأهداف المعلنة لكل منهما وكيف تغيرت وتطورت هذه الأدوار بتغير الظروف والأوضاع العالمية. اليوم سنتعرض لملكية هذه المؤسسات وأسلوب إدارتها وكيف أدى ذلك إلى العديد من الانتقادات وخاصة من البلدان النامية.
تعود ملكية المنظمات التي تشكل مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد إلى حكومات الدول الأعضاء بهذه المنظمات وترجع إلى هذه الدول سلطة اتخاذ القرارات النهائية داخل البنك والصندوق. ولكن الطريقة التي يدار بها كل من الصندوق والبنك من قبل الحكومات الأعضاء، ليست على أساس صوت واحد لكل بلد. وإنما تحصل الحكومات على أصوات تستند إلى مقدار الأموال التي تدفعها إلى هذه المنظمات. وبهذا المعنى، فإنها تعمل مثل الشركات الخاصة التي يملكها المساهمون فيها، إلا أن أصحاب الأسهم هنا هم حكومات بدلا من أفراد.
حكومة الولايات المتحدة لديها -حتى الآن - أكبر حصة من الأصوات في كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ولذا تسيطر بشكل فعال، جنبا إلى جنب مع أقرب حلفائها الأوروبيين على إدارة شؤون هذه المنظمات وعملياتها.
في عام 2007، كانت الولايات المتحدة تحتفظ بنسبة 18 % من الأصوات في صندوق النقد الدولي و15 % في البنك الدولي. وإذا جمعنا حصص الولايات المتحدة وألمانيا واليابان والمملكة المتحدة وفرنسا فانهم يسيطرون على حوالي 40 % من أسهم كل من المؤسستين. ومع انتشار بقية الأسهم بين 187 من الدول الأخرى فإن هذا يعنى إن الولايات المتحدة هي المسؤولة بشكل فعال عن إدارة المؤسستين من خلال مجالس المحافظين ومجالس المديرين التنفيذيين. ومن الجدير بالذكر أن هناك اتفاقا ضمنيا بين أميركا وحلفائها على أن يتم تعيين رئيس البنك بواسطة الولايات المتحدة وأن يتم اختيار رئيس الصندوق بواسطة الأوروبيين.
وهكذا على أرض الواقع نجد أن الأفراد الذين يديرون صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هم نفس الأشخاص الذين يديرون الحكومة الأميركية وحكومات أقرب حلفائها. ومنذ تأسيس المؤسسات في نهاية الحرب العالمية الثانية، كان رئيس البنك الدولي دائما مواطنا أميركيا، وكان رئيس صندوق النقد الدولي دائما أوروبيا. وكل هؤلاء، عادة ما يأتون من المؤسسات المالية الكبرى في العالم وعادة ما يتحيزون للشركات التي يأتون منها وهذا يفسر تغول القطاع المصرفي والمؤسسات المالية العالمية لدرجة أوشكت بأن تؤدي إلى تدمير الاقتصاد العالمي في 2007-2009.
ولكن هذا معناه أيضا أن قرارات البنك والصندوق بشأن المساعدات أو القروض التي يتم تقديمها للبلدان المختلفة نامية أو ناشئة لابد وأن تتبع الأهواء السياسية لأميركا وحلفائها وتتغير هذه القرارات بتغير تلك السياسات. ولكن المشكلة الكبرى والتي ظهرت جليا بعد الأزمة المالية العالمية في 2007 أن الاقتصاد الأميركي له تأثير مباشر وأحيانا كثيرة سلبي وفى البعض الآخر مأساوي على بقية بلدان العالم.. فهل يستطيع الصندوق القيام بأي إجراءات من شأنها التأثير أو التغيير في السياسات التي يتبعها البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أو وزارة الخزانة الأميركية رغم وضوح أن هذه السياسات لها تأثيرات سلبية على بقية بلدان العالم؟ الإجابة بالضرورة سلبية.. ولا يستطيع الصندوق مجرد التفكير في التصريح بتلك الحقائق.
فعلى سبيل المثال هناك اقتناع تام بأن نشاط المضاربة في الأسواق المالية في دول أميركا وأوروبا (العالم المتقدم) له آثار حقيقية سلبية - في أحيان كثيرة -على اقتصادات البلدان النامية، ورغم ذلك فإن صندوق النقد الدولي ليس لديه ولاية للقيام بأي شيء حيال ذلك. في حين أن تقارير البرلمان الأوروبي تطالب بأن تبدأ المفوضية الأوروبية عملية تنظيم للصناديق السيادية وغيرها من الجهات الفاعلة المالية غير المنظمة، ولكن يبدو أن هناك القليل من الرغبة في العواصم الكبرى لاتخاذ أي إجراءات. وبدون موافقة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لا توجد فرصة لصندوق النقد الدولي لمعالجة هذه المشكلة.
أخيراً، الانتقاد الأساسي الذي يوجهه معظم اقتصاديي العالم النامي الآن لهاتين المنظمتين أن روشتات العلاج التي يقدمونها للبلدان النامية تعتمد على نظريات المنافسة الكاملة والسوق الحرة بمعناها الأصولي التي أثبتت فشلها في العديد من الدول التي استخدمتها، ولكن هذا موضوع آخر طويل يمكن الخوض فيه بتفصيل لاحقا.
بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي