كتاب وأراء

الحكومة الخفية في عصر ترامب

يحدث في بعض الأحيان، أن يعيد المفكرون والباحثون الأميركيون، تقليب صفحات قديمة، حتى ولو كان قد مضى عليها عشرات السنين، إذا ما أدركوا أن استعادة قراءة ما سبق أن عرفوه من معلومات، وبما يلقي ضوءا كاشفا على أحداث راهنة، صارت محل جدل في الساحة السياسية. وربما كان ضمن محاور هذا الجدل، التباين في وجهات النظر حول مستقبل التوجهات السياسية للرئيس ترامب.
فالبعض يرى أنه جاء بطرح غير مألوف رافض للمسارات التقليدية لسياسة أميركا الخارجية، ونتائجها التي يرى أنها أضرت ببلاده.
ويرى البعض الآخر أنه مهما حاول ترامب أن يشق لنفسه مجرى يخصه في أرض مهدت طرقها بطريقة تجعلها تستمر للأجل الطويل، إلا أنه سيواجه بأوضاع التزمت بكون أميركا دولة مؤسسات، دستورية وقانونية، وسياسية، لها قواعد عملها.
لكن يبدو تحت سطح هذا الجدل، بُعد آخر أعمق من وجهتى النظر هاتين. وهما وجود ما يمكن تسميته اصطلاحا بالمؤسسة ESTABLISHMENT غير الظاهرة في المشهد السياسي. لكنها تمسك في يدها بمقاليد الأمور، بأكثر مما هو متاح لهاتين القوتين، لكونها الحارس الفعلي على الهوية الوطنية للدولة، وتراثها التاريخي، وجذورها الممتدة في العقل السياسي الأميركي، والنظر إلى أميركا على أنها النموذج الإنساني، الذي ينبغي أن يحتذي به في كل دول العالم.
ومن بين الصفحات القديمة التي طرحت تحت أعين هؤلاء المفكرين والباحثين، ما تضمنه كتاب، صدر في عام 1964 عنوانه: الحكومة الخفية THE INVISIBLE GOVERNMENT والذي أشعل فور صدوره صدمة داخل أميركا، لما كشف عنه من تضخم عالم وكالات المخابرات، التي تلعب دورا نشطا وممتدا في أنحاء العالم. والتي تعد حكومة سرية كامنه في شرايين الحكومة التي نعرفها. بل إن الرئيس نفسه ليست له سيطرة كاملة عليها.
الكتاب من تأليف توم انجلهارد، والذي أمضى حياته العملية في دراسة صعود الدولة الخفية. وأخذ ينشر في الصحف دراساته عنها على طول عشرات السنين، بطريقة مجردة من التحيز وبعيدة تماما عن أساليب الدعاية. وبالإضافة إلى كتاباته فهو يقوم بالتدريس في معهد خريجى الصحافة بجامعتى كاليفورنيا، وبيركلي.
وفي كتاب الحكومة الخفية يكشف أشكال الخداع والتزييف، وتحريف الحقائق، ويتوجه مباشرة للقارئ ليجعله على علم بحقيقة القضايا التي تشغل اهتمامه، من خلال التنقيب عما هو خفي تحت سطح الأحداث.
والكتاب في مضمونه، حول العالم السرى لدرجة أن عددا من كبار الكتاب في أميركا، وصفوه بالمؤلف الأسطوري، وواحد من أبرع الكتاب السياسيين. ومن المعروف أن انجلهارد له مجموعة كبيرة من المؤلفات منها «طريق أميركا للحرب»، و«دولة الخوف»، و«ثقافة نهاية الانتصار»، و«أميركا في العصر الجديد للإمبراطورية»، وغيرها.
ويبقى كتابه الحكومة الخفية، الأكثر إثارة، وللصدمة لعقول من فوجئوا بما احتواه من معلومات، وأسرار خفية عن عالم المخابرات السري. ولا يكاد يتساوى معه في إحداث الصدمة الثقافية سوى كتاب «قوة النخبة» لمؤلفه عالم الاجتماع المرموق تشارلز رايت ميلز. الصادر في عام 1956، أي قبل 8 سنوات من كتاب الحكومة الخفية، والذي وصفته الدوائر الثقافية فور صدوره، بأنه كان بمثابة انفجار ثقافي، وأنه أحدث انقسامات شديدة، بما كشفه عن سيطرة ثلاث قوى من النخبة على المجتمع، والحكومة.
والظاهر من الحكومة الخفية هو الذي جذب الانتباه هذه الأيام، في تيار التساؤلات عن قدرة ترامب، على الخروج عن السياق. الذي حددته الأطراف الخفية لهذه الحكومة الافتراضية. والتي تحمى الفكر التراثي في السياسة الخارجية، والذي يعبر عن مبدأ التفوق والهيمنة، واستثنائية أميركا في العالم.
وأيا كانت نتيجة الصراع بين ترامب والقوى المؤيدة له شعبيا، وبين قوى سياسية تقليدية تنتمى إلى الفكر القديم، الذي يمتد إلى عمق مناطق نفوذ الحكومة الخفية، إلا أنه لا يمكن تجاهل، أن وصول ترامب للحكم، قد كشف عن انقسام شديد داخل أميركا، أزاح التواجد التاريخي لما كان يسمى بالتوافق المجتمعي والنخبوي، ودفع البعض من التيارات التي التفت حول ترامب في انتخابات الرئاسة الأخيرة، إلى إعادة النظر فيما كانت تعتبره من المسلمات التي لا يجب مناقشتها، عن أميركا، وسياساتها، وعلاقتها بدول العالم. وهو في حد ذاته تغير لابد وأن يصنف في النهاية كرصيد – مهما كان حجمه – لترامب وعصره.
بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري