كتاب وأراء

المبدع يجهل أنه كذلك

وجه الكاتب الإنجليزي «جورج أوريل» عدة نصائح لمن يرغب في امتهان مهنة الكتابة وكان أهمها الايجاز والوضوح والاختصار باختصار - لاتستخدم أبدًا كلمة أجنبية أو كلمة علمية أو كلمة ذات رطانة إن أمكنك التفكير بكلمة يومية نظيرة لها. كلمة اكثر بساطة.. لا تستخدم أبدا الاستعارة أو التشبيه أو أي صيغة بلاغية أخرى إلا إذا كانت هناك ضرورة ملحة تجبرك على ذلك..لا تستخدم أبدا كلمات طويلة اذا كان بإمكانك استخدام أخرى قصيرة لها نفس المعنى! وهذا ما تعلمه الطبيب والعالم الغني عن التعريف «واين داير» حين كان طالبا جامعيا، ففي الامتحانات قبل الأخيرة كتب البروفيسور «فريتز ريدل»، الذي درس مع ابنه فرويد «آنا» وفر من النمسا أثناء الاحتلال النازي، على السبورة هذه الكلمات القليلة «هذا امتحانك النصفي. لديك ثلاثين دقيقة كي تكتب إجاباتك التي ستحدد إن كنت ستبقى في هذه الدورة المتقدمة لتطوير الذات أم لا»، ثم نظر الاستاذ إلى طلابه الستة وكان من بينهم «واين» وشرح لهم المطلوب: «وصل رجل محقق لذاته إلى حفة عشاء يرتدي فيها الجميع أزياء رسمية، فساتين سهرة- بدلات رسمية- أربطة عنق، في حين كان هو يرتدي سروالا عاديا وحذاء تنس، وكنزة قصيرة بدون أكمام، وقبعة بيبسبول...فماذا يفعل؟ تطلع الطلبة إلى بعضهم البعض وهم يصغون إلى الكلمات الأخيرة لاستاذهم قبل أن يغادر الفصل: «سأعود بعد نصف ساعة» وبعد ثلاثين دقيقة بالضبط عاد إلى الغرفة وطلب من كل شخص أن يقرأ بصوت مرتفع ما كتبه، جميعنا قلنا الشيء نفسه إلى حد كبير، يقول الطالب «واين» الذي اصبح من اهم الكتاب فيما بعد: «محاولين أن نبدو علميين ونسترجع ما تعلمناه عن فكرة التحقيق الذاتي،قلنا: «لن يحمل هذا الشخص الأمر أكثر مما يحتمل، ولن يعبر عن نفسه، بل سيتصرف ببساطة، وكأن لا شيء يضايقه، سينشغل بالحديث وسيكون نفسه على الرغم من أنه ليس مرتديا ثيابا لائقة مثل أي شخص آخر، لن يحكم على وضعه أو يشعر بعدم الارتياح،لأنه لا يحكم على الآخرين أو على نفسه بالمظاهر، لن يكون متضايقا من كونه مختلفا عنهم، لن يعتذر ولن يحاول تبرير نفسه»، بعد أن استمع البرفيسور إلى كل واحد منا، التقط حقيبته الجلدية وضربها بعنف على الطاولة، وقال لنا بالحرف الواحد: «لقد رسبتم جميعكم في هذه المادة، لم تتعلموا أي شيء، كل ما كان عليكم فعله هو أن تكتبوا ثلاث كلمات على أوراقكم، ثم اخذ الطبشور وكتب على السبورة بحروف كبيرة: «هو لن يلاحظ» وهذا هو الفرق بين الإنسان العادي الذي يميل إلى الاسهاب واللغو لتوصيل فكرة، في حين يكتفي الواثق من ذاته بتوصيل فكرته في أقل الكلمات.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري