كتاب وأراء

المقاومة .. ومأزق التبعية للأنظمة !

أربعة أجيال عربية عاشت وتكوّن وعيها السياسي على خيار المقاومة المسلحة كطريق لتحرير الأرض واستعادة الحقوق السليبة.. المقاومة المسلحة كبديل لحرب الجيوش الكلاسيكية وكرد على هزائم الأنظمة العسكرية القومية التي نصبت نفسها قيماً على مصير الشعوب العربية ومسؤولة عن مستقبلها.. كان المقصود طبعاً تحرير فلسطين التي قسمها قرار الأمم المتحدة 181 عام 1947 إلى دولتين، وقضت أول حرب عربية فاشلة عام 1948 إلى تثبيت أرجل الاحتلال الإسرائيلي على ما يعرف اليوم بـ«أراضي 48» وجزء من الضفة الغربية.
شقت المقاومة المسلحة طريقها بعد هزيمة 1967 مع تبني حركة «فتح» بقيادة ياسر عرفات الكفاح المسلح كرد على الهزيمة، وتبعتها فصائل فلسطينية أخرى راحت تنشط على الحدود الأردنية-الفلسطينية والحدود اللبنانية-الفلسطينية، وتعزز حضورها في أماكن تواجد الفلسطينيين في بلدان اللجوء وتحديداً سوريا والعراق.. إلا أن العمل الفلسطيني المسلح حمل منذ البداية عطب تبعية بعض التنظيمات لنهج وسياسة تلك الأنظمة التي كانت ترفع شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»- المقصود طبعاً معركة تحرير فلسطين- فيما كانت تحصد الهزيمة تلو الأخرى من «النكبة» (1948) إلى «النكسة» (1967) التي احتلت فيها إسرائيل باقي القدس والضفة الغربية ومرتفعات الجولان السوري، إلى حرب أكتوبر 1973 «التحريكية» وغيرها من المعارك الفاشلة.. تبعية تلك التنظيمات أعادت مع الوقت إدخال تلك الأنظمة إلى الساحة الفلسطينية من النافذة، عبر فصيل ولاؤه «بعثي عراقي» وثانٍ «بعثي سوري» وثالث قذافي الهوى ورابع...
الوصاية والتبعية كانت هاجس تلك الأنظمة وشغلها الشاغل في تلك المرحلة.. قضية فلسطين هي قضية العرب، وأي قرار بشأنها يجب أن يبقى «قراراً عربياً»، أي تحت سيطرة حكومات دمشق وبغداد والقاهرة.. ممنوع بالتالي أن يكون القرار فلسطينياً مستقلاً.. بطبيعة الحال، لم تتفق يوماً هذه الحكومات أو أنظمتها على موقف واحد تجاه المسألة الفلسطينية، ما خلا الشكليات وبيانات القمم العربية.. كانوا غالباً يختليفون فيما بينهم حول كيفية التعاطي مع الساحة الفلسطينية، غير أن المهم ألا يكون القرار للفلسطينيين.. ألا يكونوا هم أصحاب القرار!
فكان ما كان مما نعرفه إلى أن تم التوصل إلى «اتفاق أوسلو» (1993) الذي مكن الفلسطينيين من العودة إلى الداخل.. إلى الأرض الفلسطينية كسلطة فلسطينية مستقلة.. وحلت اللعنة والغضب على زعيمهم عرفات. فلسطين يجب أن تبقى «قميص عثمان»، يجب أن تبقى أداة توظيف واستغلال تستعملها الأنظمة القومجية المستبدة في وجه شعوبها لمنعها من حقها في الحرية والكرامة، حصل الأمر نفسه عند اندلاع ثورات «الربيع العربي».. ألم يؤخذ على تلك الانتفاضات من أجل الحرية وضد الاستبداد أنها لم ترفع شعار تحرير فلسطين؟!
أما اليوم، وفي مرحلة ما بعد المقاومة الفلسطينية، فقد قامت «مقاومة إسلامية» تابعة ومرتبطة علناً، قولاً وفعلاً، بقرار دولة خارجية.. «حزب الله» لا ينفك يعلن منذ نشأته أنه يلتزم سياسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وزعيمه حسن نصرالله يقول بالفم الملآن أنه «جندي في أمرة ولاية الفقيه».. وكان يعلن أنه يريد أن يقيم جمهورية إسلامية في لبنان.. قبل أو بعد تحرير فلسطين؟ أو بعد التأكد من بقاء بشار الأسد في السلطة؟ أم بعد عودة نوري المالكي إلى الحكم في بغداد؟ وهو ربما مرتاح إلى الدويلة التي يقيمها في لبنان بعد تحرير الجنوب.. فهو يمارس اليوم سلطته ونفوذه في المناطق التي يسيطر عليها، في محافظتي الجنوب والبقاع. المقاومة عنده لم تعد وسيلة لتحرير الأرض، وإنما أصبحت مرادفاً للسلطة.. لا بل هي السلطة بعينها، إذ إن كل ما يقوم به يفعله باسم المقاومة.. يفرض على الناس نمط حياة باسم المقاومة، ويرسل الشباب للموت دفاعاً عن الأسد باسم المقاومة.. إنه يحكم باسم المقاومة.
فيما المقاومة اللبنانية التي أبصرت النور عام 1982 ضد الاجتياح الإسرائيلي حررت بيروت وقسماً كبيراً من الجنوب، ولكنها اضطرت إلى حل نفسها رفضاً لأي وصاية أو تبعية سورية أو إيرانية!
بقلم:سعد كيوان

سعد كيوان