كتاب وأراء

عن الحاجة إلى تحسين الذوق العام

جاءت الأزمة الخليجية الأخيرة لتوضح بجلاء مدى انكشاف النظام الأخلاقي العربي. وبرغم أن هذا النظام سقط في اختبار الأخلاق أكثر من مرة إلا أن سقوطه في الأزمة الأخيرة كان مفاجئاً. فلم تكن منطقة الخليج تسمح بالانزلاق إلى خطاب الإسفاف مهما كان الاختلاف. لكن ذلك جرى هذه المرة ووصل في عدة حالات إلى حضيض مخجل. وجدنا أخباراً ملفقة وتهماً مفبركة تتحول إلى مواقف تدعي الحقيقة المطلقة.
جرى سباب صحفي وتليفزيوني وإذاعي صريح قدم على أنه تعبير حر عن الرأي. وجدنا مواقع التواصل الاجتماعي تغص بتعليقات غثة تعبر عن سادية ونرجسية واستمتاع غير مسبوق بالكيد من شعب عربي.
ولا تتضح أزمة النظام الأخلاقي العربي فقط في السياسة وإنما في كافة المجالات. فالبذاءة نفسها والركاكة نفسها موجودة في الرياضة والمرور وقضايا النفقة والطلاق ومع الباعة الجائلين وفي دور السينما بل وأحياناً في دور العبادة. هناك قسوة ولعنات وتوحش وفجاجة وتسطيح وتلويث ونكاية وكيد وغضب وصراخ وافتراء، بما لا يمكن أن يؤسس لضمير أخلاقي قويم بالمرة. وليست هذه كل ملامح الانحطاط في الذوق العام. فالذوق العام منظومة متكاملة غير قابلة للتجزئة. ترتقي كل عناصرها معاً وتنهار كذلك معاً. فإن ارتقى فن الغناء ارتقى أيضاً أسلوب الدعاء. الأخلاق تتقدم معاً وتتراجع معاً.
ومثلما أن هناك منظومة محلية للأخلاق والذوق العام، هناك أيضاً منظومة إقليمية وأخرى عالمية. وقد يرجع جزء من انحطاط الذوق العام في منطقتنا إلى أسباب خارجية، لكن القسم الأكبر من التدهور يعود إلى أسباب محلية تخص كل بلد وأخرى إقليمية عربية. فأكثر الدول العربية فشلت في أداء وظيفتها الأخلاقية، الأمر الذي ترك المجال العام نهباً لأشرار متسلقين وأدعياء طفيليين ومنافقين متطفلين.
ويعد تراجع الذوق العام في بلادنا العربية دليلا دامغا على أزمة المجال العام بأكمله. فهذا المجال وإن كان عاماً إلا أنه لا ينبغي أن يكون مفتوحاً لأي شيء وإنما فقط للمسموح به وفق أعراف وقواعد وقوانين تستقيم مع البديهة والمنطق. لكن المجال العام في كثير من الدول العربية تجري فيه أشياء لم تعد تتفق مع المنطق ولا تستقيم مع العقل والبديهة.
صار القذف والتلفيق والبذاءة والقرصنة والسوقية في السياسة أمورا عادية. أصبح خدش الحياء وسب القادة والتعريض بالرموز حصة يومية. أصبح العربي يتهم العربي بمعاداة السامية. صار يفاخر وهو يهاجم أخاه العربي بأن لديه معلومات دامغة مصدرها الإسرائيليون. لم يعد أحد ينظر إلى الخشبة التي في عينه ولا يرى إلا القشة التي في عين أخيه. ومن انحطاط الذوق السياسي العام ما نسمعه من تهم يوجهها عربي لعربي آخر بالإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان ومحاربة الديمقراطية مع أنها أمور لا يمكن لعربي أن يعاير بها آخر لأن الجميع في الهم عرب.
ومثلما تراجع الذوق السياسي العربي العام تراجع الذوق العربي العام في الإعلام والفنون والآداب وأساليب العمل الإداري وكافة شيء. وتلك أزمة تهدد المستقبل إلى حد كبير. فالأجيال القادمة التي ستتولى المسؤولية باتت لديها مفاهيم مختلفة تماماً عن الحق والباطل، المقبول والشائن، الأدب والسفه بشكل ينذر بتفاقم العوار الأخلاقي أكثر. وفي ظل وجود رأسماليات طفيلية غير واعية بالرسالة الاجتماعية لرأس المال، تواصل بلا هوادة استنزاف الموارد العامة، لا يتوقع انتشال الذوق العام من عثراته بسهولة. فأصحاب الثروة هم من أنتج بتحالفهم مع أصحاب السلطة وأصحاب الفكر الهدام كل صور الانحطاط بالذوق العام التي نلمسها حالياً. لقد اشترى المال القرار والثقافة وصار الثلاثي معاً يهددون كل ما هو عام بدايةً من المال العام وانتهاءً بالذوق العام. ومع أن هناك محاولات للتنبيه ودعوات للإصلاح إلا أنها لا تلقى بالاً ولا تحظى بنصيب من التقدير.
وقبل أن تُطالب الرأسماليات العربية ولو لمرة بإدراك رسالتها الاجتماعية، وقبل أن يُدعى أصحاب القرار لإعادة النظر في شأن من تركوا لهم الحبل على الغارب ليشكلوا الذوق العام، لا بد أولاً أن تستيقظ النخبة المثقفة. لا بد من فكرة جديدة تطورها وصدمة توظفها لكي تعيد موضوع الأخلاق من جديد إلى قلب دائرة الاهتمام. الأخلاق بالمعنى المدني كما يلتزم بها على سبيل المثال الدنماركيون والنرويجيون والألمان ومن على شاكلتهم من أمم وشعوب أخرى تختلف سواء بداخلها أو فيما بينها لكنها تدير اختلافاتها بطرق تؤكد أن الذوق العام لديها ما يزال حياً.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات