كتاب وأراء

أزمة الخليج ونهاية البداية

في أزمة الخليج التي بدأت بحملة إعلامية على دولة قطر ثم تحولت في الرابع من يونيو 2017 إلى حصارنفذته «3» دول خليجية بالإضافة لجمهورية مصر بداية لمأزق في العلاقات يبدو من جميع المؤشرات أنه بلا نهاية قريبة. فمن سمات هذه الفترة عدم نجاح الوساطات والضغوط في زحزحة المواقف المتباعدة وذلك بالرغم من مقدرة هذه الوساطات على وضع سقف يسمح بتفادي خياراتها الأسوأ.
في الجوهر نشهد نهاية مجلس التعاون كما عرفناه منذ العام 1981، أي بصفته مجلس يجمع قادة الدول في ظل حد أدنى من الإجماع على سياسات الإقليم. عدم المقدرة على توسعة المجلس ليشمل الشعوب ودورها جعله غير قادر على تجاوز سياسات الحكومات بكل تناقضاتها. لهذا كان من الطبيعي أن تتسلل لمجلس التعاون حالة التفتت إياها التي شملت المنظمات والمجالس العربية الأخرى.
في ظل الأزمة أصبحت سلطنة عمان أكثر إقتناعا بسياساتها المستقلة، بينما قامت قطر بعقد إتفاق استراتيجي أمني مع تركيا كما وعززت تحالفها الأميركي والأوروبي في ظل موازنتها لعلاقاتها مع إيران من خلال التجارة والدبلوماسية، اما الكويت فهي الأخرى بدأت تشعر بإمكانية إنقلاب الإقليم على نفسه. وهذا يعني أن التفكك وبناء المحاور بين الأطراف المختلفة أصبح جزءا جديدا من مشهد يزداد إنتشارا في منطقة الخليج. والمقصود هنا أن نزوع الدول الصغرى نحو الاستقلالية والتحول عن العمق الذي مثله مجلس التعاون هو نتاج طبيعي لهذا الوضع الشائك والمفاجئ الذي ألم بالمجلس.
إن مجرد إشارة أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح في مؤتمره الصحفي الهام في البيت الأبيض إلى نجاح الوساطة في تفادي عمل عسكري يستهدف قطر يثير المخاوف حول أمن الشعوب وأمن الاقليم. ففكرة عمل عسكري بين دول تجمعها علاقات طويلة وقاتلت مع بعضها البعض في حرب اليمن وإتفقت في قضايا متشعبة يؤكد للمواطن كما وللدول بأن الحرب في إقليمنا قد تنشأ بين لحظة وأخرى بفضل التسرع في صنع القرار وسهولة تحويل الخلاف الذي يمكن ان يحل بوسائل سلمية لنزاع يثير أعاصير من التوتر والكراهية.
إن إنفجار الأزمة بلا وجود مؤشرات للتوتر في قمة الرياض في 20 مايو 2017، والتي استضافت الرئيس ترامب وقادة دول الخليج، يثير مخاوف كبيرة مرتبطة بسرعة التحول بين الدول من التحالف للصدام في العلاقات الخليجية - الخليجية. فقد ذكر أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد في مؤتمره الصحفي في البيت الابيض بأنه لم يلحظ توترا بين القادة. هذا يكشف الكثير عن الإقليم، ففي منطقتنا يتم إخفاء الخلافات وراء طبقات من المجاملة، وبنفس الوقت تتحول الخلافات الثانوية التي تقع بين الدول بين يوم وليلة وبين لحظة وأخرى لازمات يعجز العقل المنطقي عن تحليلها.
سيترتب على أزمة الثقة التي عصفت بمنطقة الخليج منذ يونيو 2017 فرز استراتيجي يصعب الإنسحاب منه. لهذا سيكون لزاما على قطر أن تستعد لواقع سياسي إقليمي طويل، فالأزمة خلقت ديناميكياتها الخاصة ضمن دول مجلس التعاون( الدول المحاصرة والدول المحايدة)، وايضا مع إيران وتركيا والمانيا وأوروبا. نحن أمام واقع جيواستراتيجي سيفرز حالة تأقلم مع تبعات الحصار في ظل السعي لتفكيكه ورفعه دون أن يتغير الإطار الاستراتيجي الجديد الذي فرز محاور جديدة يبدو بأنها باقية معنا لفترة طويلة. لقد تغير مفهوم العمق الاستراتيجي القطري وتغير أيضا لدول أخرى كالكويت وعمان وذلك بسبب التخوف من إنقلاب الإقليم المفاجئ. لقد أسقط الحصار الثقة وخلق ديناميكيات بعيدة الأمد كما واطلق العنان لقوى تضخ طاقات جديدة لصراعات ونزاعات الإقليم العربي بكل تنوعه وحروبه.
بقلم : د. شفيق ناظم الغبرا

د. شفيق ناظم الغبرا