كتاب وأراء

الرئيس والمجتمع

رغم أنه ليس جديدا، إلا أنه مطلب يلقى أيما حفاوة وترحيب من العديد من الحكام العرب. فعندما يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرورة قطع الإنترنت بغية تجنب المزيد من الهجمات الإرهابية، معتبرا الإنترنت «أداة» يجندها الإرهابيون لخدمتهم، فذلك مما ترقص له طربا القيادات العالمثالثية وإعلامها.
الرئيس ترامب، والذي أتصور أنه كان يتمنى أن يكون في سدة الحكم في إحدى بلدان وطننا السعيد، لم يجد تعليقا على الحادث الإرهابي الذي وقع في مترو أنفاق العاصمة البريطانية لندن، إلا قوله: «يجب التعامل مع الإرهابيين بصورة أكثر شدة، الإنترنت هو أداة التجنيد الرئيسية التي يستخدمونها ويجب قطعه واستخدامه بشكل ما أفضل».
هي ليست المرة الأولى، كما أسلفت، ففي ديسمبر الماضي، أكد أنه سيطالب الملياردير بيل غيتس بوقف الإنترنت حتى لا يستخدمه تنظيم (داعش) الإرهابي.
تقديري أن هذه التغريدة ومثيلاتها، من الرئيس الأميركي، تنزل بردا وسلاما على محترفي حجب المواقع ومصادرة الصحف، فها هو رئيس أكبر دول العالم في مجال الحريات، يطالب بإغلاق الإنترنت، ومن ثم تكميم مواقع التواصل الاجتماعي، التي يرونها صداعا، لابد من التخلص منه، بالبتر.
مشكلة المحتفين بتغريدات ترامب عبر الإنترنت– الذي يريد أن يغلقه -!، أنهم يفهمون الرئيس الأميركي جيدا، لكنهم في المقابل وبكل تأكيد يجهلون المجتمع الأميركي، أو يتجاهلونه.
فنحن في عالمنا العربي- السعيد جدا- نتخيل حسب ما تربينا عليه، أن رأي الزعيم قرار نافذ وقدر مستبد. لا يمكننا أن نتصور مثلا، أن هذا الرئيس– أقصد الأميركي بالطبع- يمكن أن ينساق إلى سياسة تمليها عليه تيارات داخلية مثل البرلمان وقوى المجتمع المدني والإعلام، الذي يؤكد صباح مساء أنه يكرهه.
لم يستطع البعض حتى الآن، أن يدرك أن أميركا ليست ترامب وليست رئيس الجمهورية؛ فنظامها يقوم على الفصل بين السلطات وعلى توازنات بين الرئيس والكونغرس والمحكمة العليا وأيضا القوى الأخرى التي تؤثر في الرأي العام مثل المجتمع المدني ورجال المال والأعمال والإعلام وجماعات الضغط (اللوبي). يمكن لمحترفي التضييق أن يحتفلوا بتغريدة الرئيس الأميركي، ليبرروا بها إجراءاتهم في خنق الحريات، لكن نتمنى أن يكونوا عادلين، فمن باب العدل والموضوعية أن يحاولوا – مجرد محاولة – النظر أيضا إلى المجتمع الأميركي وحقوقه في مقابل الرئيس، بل وتعليق مؤسسات هذا المجتمع على مطالب «زعيمها».
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى