كتاب وأراء

الجماعات المتطرفة تهدد وحدة اندونيسيا وتنوعها (1 ــ 2)

اعتاد رؤساء أندونيسيا أن يوجهوا خطابا للأمة في 17 أغسطس من كل عام المصادف لتاريخ الاحتفال بيوم الاستقلال. وفي الاحتفال بهذه المناسبة هذا العام طغى على خطاب الرئيس جوكو ويدودو موضوع التحديات التي تواجه بلاده، لجهة انتشالها من الفكر المتطرف والتصدي لخطره على وحدة اندونيسيا.
ومما قاله أنه من الضروري العمل الجماعي ليس من أجل اقتصاد قائم على المساواة، وإنما أيضا من أجل فكر يعزز الاجماع الوطني على مبادئ دستور 1945 ويحميها ممن يسعون إلى الاخلال بها أو تجاوزها. والمعروف أن أندونيسيا منذ استقلالها سنت لنفسها دستورا يرتكز على خمسة مبادئ عرفت باسم «البانتشاسيلا» قطعا للطريق على من حاولوا تأسيس دولة إسلامية مطبقة للشريعة. وبالتزامن مع ذلك اختارت البلاد «الوحدة من خلال التنوع» شعارا وطنيا لها بهدف حماية الاقليات غير المسلمة وصهرها في المجتمع ورعاية حقوقها.
صحيح أن الغالبية العظمى من الشعب الاندونيسي ملتزمة بالمبادئ والشعارات التي تأسست عليها بلادها قبل نحو 72 عاما، بدليل المظاهرات الحاشدة التي خرجت في شوارع جاكرتا في أواخر 2016 تأييدا للوحدة الوطنية وقلقا من ظهور مؤشرات تفيد بتزايد التعصب العنصري والديني في البلاد.
ولعل الجزئية الأخيرة هي التي دفعت ويدودو لتخصيص حيز معتبر من خطابه للحديث عن مخاطر التطرف والتشدد التي لم تشهدها إندونيسيا إلا بــُعيد عودة نفر من مواطنيها من ساحات الجهاد الخارجية، وعودة آخرين من جامعات شرق أوسطية وهم مسلحون بإسلام غير الإسلام الوسطي الذي تربوا عليه على أيدي المهاجرين المسلمين الأوائل من عدن وحضرموت.
تقول آخر الدراسات المنجزة حول تنامي ظاهرة التطرف والتشدد في إندونيسيا أن الأخيرة تحتضن تنظيمات خطرة لا تسعى فقط لتغيير هوية الدولة الاندونيسية، وإنما تسعى جاهدة أيضا لمد أنفها في شؤون دول أخرى من خلال التجنيد والتدريب والتسليح وجمع الاموال تحت يافطة «الجهاد لنصرة الإخوة المظلومين والمضطهدين». وإذا كان أحد مظاهر هذه الحملة تجسد في ما قام ويقوم به «منتدى أمة الإسلام» لدعم الروهينغيا المسلمين في بورما، فإن المظاهر الأخرى تجسدها حملات مشابهة لدعم الجماعات الجهادية السورية الأكثر تطرفا. كما تجسدها الحملات التي تقوم بها بقايا أنصار رجل الدين المثير للجدل أبوبكر باعاشير من أجل تحقيق حلم الاخير بإقامة دولة الخلافة المشتملة على أندونيسيا وجاراتها في جنوب شرق آسيا كمرحلة أولى.
إن ما ذكرناه آنفا من حملات، معطوفا على بعض الحوادث الإرهابية التي وقعت مؤخرا في جاكرتا استرعى إنتباه مراكز الدراسات الغربية المعنية بالشأن الاندونيسي، فعكفت على جمع المعلومات وتحليلها لتصل إلى نتيجة مفادها أنه توجد حاليا في أندونيسيا تنظيمات متطرفة عديدة، إن لم تقم السلطات بعمل حاسم وحازم تجاهها اليوم فقد تندم غدا، خصوصا وأن مجرد حظرها لم يثمر عن شيء. من أبرز هذه الجماعات المتطرفة:
1 ـ جماعة إنتشار التوحيد، وهي جماعة تتلاعب بالنصوص الدينية من أجل بلوغ أهدافها. فقد أصدرت مثلا فتوى تقول بأن الذهاب للجهاد في سوريا له الأولوية على الذهاب إلى مكة للحج والعمرة.
2 ـ جمعية هاسي، وهي لئن كانت تعتبر نفسها في مقام «جمعية الهلال الاحمر الاندونيسي»، إلا أن لا علاقة لها مع الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الاحمر. حيث أنها تأسست على يد بعض النشطاء والجهاديين الشباب ممن يديرونها ويشرفون على أنشطتها ويجمعون التبرعات المالية بإسمها دون رقيب وبمعزل عن الجهات الرسمية.
3 ـ جبهة الدفاع عن الإسلام، وهي جماعة تأسست في 1998 على يد حبيب محمد شهاب، وبدعم من العسكريين المؤيدين للرئيس الأسبق سوهارتو.
(يتبع)
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني