كتاب وأراء

الخرطوم تراهن على «الصمغ» لرفع العقوبات

زوار الخرطوم من الأجانب الذين لا تتوافر لهم معلومات كافية عن «العقوبات الأميركية» ضد السودان، واعتادوا العمل من أجهزة الحواسيب المحمولة، سيدركون مدى اتساع نطاق العقوبات، عندما يحاولون تحميل بعض التطبيقات من محركات البحث، خاصة «غوغل»، آنذاك ستطالعهم هذه العبارة باللغة الإنجليزية «هذا التطبيق غير متاح في بلدك (المقصود السودان)».
وبعد ذلك جملة أخرى تقول «نشكر لك اهتمامك، لكن التطبيق الذي تحاول تحميله غير متاح في بلدك (أي السودان)».
تعتزم إدارة الرئيس دونالد ترامب مراجعة العقوبات ضد السودان في 12 أكتوبر المقبل. تنتظر الحكومة السودانية هذا الموعد بفارغ الصبر، وتأمل رفع عقوبات بدأت في عام 1993 على السودان باعتباره «دولة راعية للإرهاب»، ثم أصدر الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في عام 1997 قراراً بعقوبات مالية واقتصادية، جرى تشديدها في عهد جورج بوش الابن.
شرع في تطبيق العقوبات الأميركية ببطء لكنها كانت شديدة القسوة، مما أدى إلى تدهور مريع في اقتصادات البلاد وتردي الخدمات، وبات السودان دولة تترنح بسبب عقوبات ألحقت أضراراً فادحة بالبلاد، ولا يتذكر الناس في الخرطوم وقتاً كان فيه السودان يواجه في نفس الوقت مثل هذه المجموعة من المشاكل المستعصية، بسبب تداعيات العقوبات.
كانت حكومة الخرطوم قد قطعت من قبل شوطاً على طريق خسارة عدة فرص، لكنها الآن تعمل بجهد واضح وتقدم الكثير من التنازلات والإغراءات لتراجع الإدارة الأميركية العقوبات، وذلك في غمرة تكهنات متزايدة بأن واشنطن تعتزم رفع هذه العقوبات.
في محاولة لاستباق قرار واشنطن بشأن العقوبات توجه إبراهيم غندور وزير الخارجية السوداني نحو العاصمة الأميركية للقاء عدد من المسؤولين في إدارة ترامب على رأسهم ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأميركي.
وكانت واشنطن قد أوفدت قبل ذلك مارك قرين المدير العام للوكالة الأميركية للتنمية الدولية إلى الخرطوم في زيارة «جس نبض»، وأشار قرين إلى «جهود حثيثة لتطبيع علاقات واشنطن مع الخرطوم».. لكنه قال كذلك بعد زيارة إلى إقليم دارفور«لا نعرف ما هي الضمانات حتى تستمر حكومة السودان في سياساتها الإيجابية، بعد رفع العقوبات».
وهو ما يشير إلى أن واشنطن تريد أن ترفع سقف شروطها.
في غمرة ذلك أرسلت الخرطوم إشارة ذات دلالة مهمة، تتعلق بموضوع يستأثر بالاهتمام في أميركا.
كانت واشنطن عندما فرضت العقوبات الاقتصادية قد استثنت منها مادة واحدة ينتج منها السودان قرابة 90 بالمائة، وهي مادة «الصمغ العربي» التي تدخل في صناعة المشروبات الغازية (كوكا كولا وبيبسي كولا) وكذلك في صناعة العقاقير والأدوية الطبية.
بالتزامن مع اقتراب موعد مراجعة العقوبات، عقد لقاء في الخرطوم لبحث سبل وقف عمليات تهريب «الصمغ العربي» وتوعد مسؤولون بـ«التصدي لمافيا تهريب الصمغ العربي لدول مجاورة».
وقال حاتم السر وزير التجارة السوداني إن الحكومة ستلجأ للحل الأمني للحد من تهريب الصمغ العربي.
وقال مسؤول آخر إن التهريب أدى إلى تراجع الإنتاج من مائة ألف طن إلى 12 ألف طن فقط.
كما وردت إشارات في اللقاء تفيد بأن الأبواب ستفتح على مصراعيها أمام الشركات الأميركية من أجل تنمية إنتاج الصمغ وتسويقه، ومراقبة تصديره، أي «منع تهريبه».
وتفيد معلومات متداولة في الخرطوم على نطاق ضيق، أن غندور وزير الخارجية السوداني يحمل في حقيبته كذلك دعوة للشركات الأميركية للتنقيب عن «اليورانيوم» في شرق السودان قرب منطقة البحر الأحمر.
من الواضح جدا أن الخرطوم تراهن على «الصمغ العربي» المطلوب والمرغوب أميركياً من أجل رفع العقوبات.
والواضح أيضاً أن السودانيين غير سعداء بتركيز اهتمامهم على قضايا المنطقة في وقت يكترث معظمهم بأوضاعهم المعيشية، ويأملون رفع العقوبات، حتى يهبط «الدولار» من عليائه، ويصعد سعر «الجنيه» الزاحف على الأرض.

بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل