كتاب وأراء

حــب الحـيـــاة .. يهزم الإرهاب

رغم قتامة المشهد العربي، هناك من الأخبار التي تبعث على الأمل. ومع أنها لا تلقى اهتماما من الإعلام تحت تأثير الأحداث الساخنة، إلا أنها تؤكد من مثال إلى آخر أن إرادة الحياة أقوى من كل معارك الخراب الدائرة في منطقة أو أخرى.
لقد شاءت الأسابيع الماضية أن تقدم بعض النماذج الدالة على استمرار التمسك بحب الحياة أو بلغة الظروف الراهنة رفض الإرهاب والتطرف.
والمعلوم من الخبرات التاريخية للشعوب التي تقدمت وازدهرت في كل المجالات أنها تحب الحياة وتكره الموت. وتفعيلا لهذا المبدأ انتصرت هذه الشعوب للتسامح والاعتدال واحترام الآخر وتوفير الحرية المسؤولة للجميع دون تمييز أيا كان شكله ومضمونه.
وفي القلب من هذه القيم جاء اهتمامها الشديد بالتعليم بحكم أنه الطريق الأفضل الذي يوفر كل الأدوات لحب الحياة. بينما في المقابل تشير نفس التجارب إلى الاختيار الآخر السيئ ألا وهو كراهية الحياة. ودلت التجارب على أن من يسلكون هذا الطريق لا يهتمون بالتعليم وإن لجأوا إليه لاستغلاله في الحصول على مصادر مختلفة لتدمير الآخر.
مؤخرا وبرغم الوضع المأساوي في الرقة بسوريا بسبب الخراب الذي أحدثه تنظيم «داعش» الإرهابي، بادر معلمون وبشكل تطوعي إلى إعادة افتتاح مدرسة في قرية السلحبية الشرقية بريف الرقة الغربي، والملفت أن المدرسة تحمل اسم مدرسة ابن رشد الابتدائية. ولو وسعنا دائرة النظر فسنجد أمثلة مشابهة ولكن مع الفارق. فرغم الحالة المعيشية الصعبة ودوي القنابل والانفجارات التي عاشتها حلب عام 2013 تطوع البعض أيضا ممن يحبون الحياة بإعادة فتح مدارس دمرتها هجمات النظام وحافظوا على مدارس أخرى لم تطلها يد التدمير.
وهناك مشاهد أخرى أكثر إثارة. فكم كانت فرحة السوريين عارمة عندما شعروا أن منتخبهم الوطني لكرة القدم قد اقترب من التأهل لمونديال كأس العالم 2018 بروسيا. وما هو ذو مغزى أن بعضا من لاعبي هذا المنتخب معارضون للنظام ويعيشون خارج سوريا وغير مسموح لهم بدخولها، والبعض الآخر من مؤيدى النظام!. هكذا جمعتهم كرة القدم برغم ما بينهم من خلافات لأسباب بسيطة لا تخرج بدورها عن أهمية دور التعليم – كما سبقت الإشارة - في حب الحياة. فكلاهما مرتبط بالهوية الوطنية وتعزيزها بين أبناء الوطن الواحد بغض النظر عن التنوع في الدين أو الجنس والعرق، وهي ذاتها مصدر فخر للجميع، وكلما تحقق في أي منهما إنجاز مهم كان ذلك مصدر سعادة واستمتاع بالحياة.. ولا ننسى أن الرياضة تقوم على التسامح والتنافس الشريف وكلاهما من المبادئ المهمة لترسيخ قيمة حب الحياة.
لم يحدث هذا في سوريا وحدها بل تكرر في كل من العراق وليبيا وكلتاهما نكبت بالإرهاب والتطرف. فمن يتابع الدوري الكروي العراقي يجد المدرجات ممتلئة بالجمهور، فرغم قرب الموت المروع هناك إصرار على استعادة التمتع بالحياة مهما كانت المخاطر. وأما ليبيا فبدورها مثال مثير يستحق التوقف، فهي من الناحية الأمنية أكثر سوءا من غيرها لأسباب لا تخرج عما هو قائم في العراق وسوريا، ولذلك فإن منتخبها الوطني يلعب دائما مبارياته في الخارج وغالبا في تونس، ومع ذلك، أي اللعب خارج الأرض دائما ومن ثم الحرمان من الجمهور الوطني المؤازر، فإنه حقق نتائج طيبة في التنافس على التأهل للمونديال، وهذا دليل على الشوق إلى الوحدة الوطنية والخلاص من حالة العيش تحت سيف الإرهاب.
للأسف لا يعبأ الإعلام بمثل هذه المشاهد. ولكن يبقى مع كل هذا نور في نهاية النفق يتمثل في البسطاء الذين يتطوعون لإعادة فتح المدارس أو الذين يدخلون البهجة إلى النفوس من خلال كرة القدم. هذه الأعمال على محدوديتها تبني قاعدة مجتمعية مضادة للإرهاب ورافضة لاستمرار الاقتتال الأهلي وصامدة في وجه الخراب والدمار.. وكلما تعاظم دور المتطوعين لتحقيق هذا الهدف تسارعت وتيرة القضاء على الإرهاب. المهم أن يجدوا من يشد أزرهم.

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد