كتاب وأراء

يوم للفهاوة

تعرف على أطباق الطعام التي يفضلها أشهر زعماء العالم، شاهد حصرياً منزل المذيعة الشهيرة، تعرف على الرجل الذي تزوج شجرة، وتمساح ضخم يتجول في ساحة مدرسة أميركية، والفلسطينية مها الحاج تعرض «أمورها الشخصية» في مهرجان كان السينمائي، والقصد من أمورها الشخصية هو فيلمها الذي شاركت به في المهرجان وليس أمراً آخر، 10 أسباب تجعلك تكتشف الرجل الخائن، وطرد موظفة من عملها في بريطانيا لرفضها ارتداء الكعب العالي، وهكذا دواليك... كل هذا يمكنك أن تجده في موقع إخباري واحد، الإعلام يأخذنا من ضفة إلى أخرى، لا يريد أن يتخصص في مسار واحد، فهدفه الأول اقتناص أكبر قدر ممكن من المشاهدة والمتابعة، من الصعب أن تجد موقعاً إلكترونياً متخصصاً، فالتخصص يفقد الموقع القدرة على عملية جذب الجمهور المستهدف، وهذا حق شرعي لا خلاف عليه في ممارسة الإعلام لمهامه، في أن يجعلك وأنت تتناول فنجان قهوتك في منزلك، تشاهد جنازة الفنان الشهير وتتعرف على ما يحدث في أرتيريا، وأن تكون في وسط الحدث وإيمان الشريف الشابة التونسية تتسلم جائزة إمارة موناكو لامرأة العام 2016.
التكنولوجيا واللهاث اليومي تجاه أخبار العالم، يجعلني أشعر بالخوف أكثر من اللازم، لأيام أحاول أن أهرب من المعرفة الإخبارية، من الخبر العاجل الذي يقفز أمام عينيك بشريطه الأحمر، بينما تحاول أن تجد الوقت الكافي للجلوس مع أسرتك، أو حتى تحاول أن تبقي رأسك خاوياً من أية مسؤوليات معتادة، لكنك لن تستطيع أن تقوم بكل ذلك الجهد كما يجب، طالما هاتفك الجوال بقبضة يدك، والذي يبدو أن هذا الجهاز بدا ملتصقاً بنا أكثر من التصاقنا بأنفسنا وذاتنا، لا أحد يريد أن يعترف بأنه يمكنه الخلاص من المراقبة اليومية لكل ما يجري سواءً حوله أو حتى حول آخرين لا يعرفهم، لكنه يجد نفسه مسؤولاً في المشاركة وأحياناً بالشتم والقذف، لاعتبارات يختصرها بأن ما يطرح أمامه يعني أنه لابد أن تكون لديه بصمة من المشاركة حتى لو لم يطلب منه ذلك، الآخرون ونحن أيضاً أصبحنا نؤمن بأنه لم تعد هناك خصوصية، وبأن علينا أن نكون ذلك الجزء من الكل، وأتساءل من يقع اللوم عليه؟ هل هو النشاط الإعلامي الذي بات همه الأول والأخير الحصول على أكبر قدر من المتابعين، أم أنها وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة، والتي تجعلك مندفعاً لها لتصل إلى حد الإدمان وعدم القدرة على الخلاص منها.
حتى الآن أجد من الأفضل أن نعيش في الأسبوع يوماً واحداً على الإطلاق نمارس فيه «الفهاوة»، كي نتخلص من هذا العبء الإخباري، وهذا الحشد المعلوماتي الذي يجعلك من دون أن تشعر ترتبط بقناعات وأفكار وتغير في المزاج أيضاً لم يكن لتكون به، إلا بسبب هذا التدفق الهائل من وسائل التكنولوجيا التي بدأت تتقدم أكثر من تقدم الإنسانية، ولا بأس في يوم تقوم على تخصيصه لتكون فيه فاهياً عما يحدث من حولك، فقط لتتخلص من كل هذه الشرور التي لن تكسب منها شيئاً، سوى بتباهيك أمام أفراد مجتمعك بأنك صاحب معرفة لا غير!

بقلم : سارة مطر

سارة مطر