كتاب وأراء

قرار مجلس الأمن و«الهرّ الآسيوي»

بعد جهدٍ دبلوماسي استثنائي وغير اعتيادي، ومتسارع في الوقتِ نفسهِ، تبنى مجلس الأمن الدولي وبالإجماع (ــ لاحظوا هنا: وبالإجماع ـــ) مشروع قرار أعدّته الولايات المتحدة بفرضِ عقوباتٍ جديدةٍ على كوريا الشمالية رداً على تجربتها النووية السادسة الأكبر في تاريخها.
الجهد الاستثنائي تمثّل في إقناع وموافقة كل من بكين وموسكو على دعم القرار، أو عدم الاعتراض عليه باستخدامِ حقِ النقض، فتم استصدار القرار الذي يَفرِضَ منعاً على صادرات النسيج الكورية الشمالية، وقيوداً بحدودٍ معينة على شحناتِ المنتجاتِ النفطيةِ المتوجهةِ إلى هذا البلد النووي، وهي بمعظمها تأتي عبر الصين الشعبية لا غيرها. فالصين الشعبية هي الشريك التجاري الأكبر لكوريا الشمالية بنسبة نحو 90 في المائة.
المنسوجات ثاني أكبر صادرات كوريا الشمالية بعد الفحم ومعادن مختلفة، حيث تذهب نحو 80 بالمائة من صادرات المنسوجات إلى الصين الشعبية، كما يَفّرض القرار حظراً للمكثفات وسوائل الغاز الطبيعي، ويضع سقفاً يبلغ مليوني برميل سنوياً على المنتجات البترولية المُكررة ويقيّد صادرات النفط الخام إلى كوريا الشمالية عند مستوياتها الحالية.
في خلفية ماجرى في الكواليس الدبلوماسية قبل استصدار القرار عن جلسة مجلس الأمن، كانت كل من بكين وموسكو قد تحفظتا على نص مسودة مشروع القرار، وتحدثتا علناً ومن على المنابر الإعلامية عن رفض كل منهما لمسودة مشروع القرار، وطالبتا بتعديلها، وهو ما كان نهاية الأمر بعد تلك الجهود التي تم بذلها. فتم شطب البند المتعلق بوجود اسم الزعيم الكوري (كيم جون أون) في لائحة خاصة الأشخاص المشمولين بعقوباتِ حظرِ السفر وتجميد الأرصدة، إلى جانب عدد من كبار مسؤولي حكومته. كما تم اجراء تعديل جذري على الفقرة الخاصة بتشغيل عمال كوريين شماليين في الخارج.
فالصين وموسكو تريان أن ملف الأزمة الكورية لايُحل بالعقوباتِ وحدها، بل يعتقدان بوجوب أن تترافق العقوبات «المعقولة» غير الضارة بالشعب الكوري الشمالي وحياته اليومية، بجهدٍ سياسي ودبلوماسي متواصل، يؤمن طمأنة تامة لكوريا الشمالية، وينزع تقديراتها وهواجسها وخشيتها من الوجود الأميركي العسكري الكثيف في تلك المنطقة والبحار المحيطة، بما في ذلك تفكيك مشروع (ثاد) لمنظومة الصواريخ التي تتحفظ عليها بل وتعارضها بكين وبشدة.
إذاً، بكين وموسكو تركّزان على ضرورة استمرار التعاطي مع الموضوع الكوري بطرقٍ سلميةٍ وديبلوماسيةٍ عبر استئنافِ المفاوضاتِ بين الأطرافِ المعنيةِ، وتؤيدان مشاركة دولية في بناء مبادرة ديبلوماسية لإنهاء البرنامج النووي والصاروخي لكوريا الشمالية، كتلك المحادثات والمفاوضات التي أفضت بعد جهد طويل ومعقّد اتفاقاً تاريخياً مع إيران عام 2015، فهو مثالاً ونموذجاً للنجاح الدبلوماسي في حلِ الاستعصاءات الكبرى «يحتذى به» كما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لقائه الأخير مع المستشارة الألمانية ميركل.
بيونغ يانغ، تُدرك أن كلاً من بكين وموسكو، غير مرتاحتين البتةِ، ومنذ انتهاء الحرب الكورية نهاية العام 1953، من الوجود الأميركي، ومن سياسات واشنطن في نطاق تلك المنطقة، المُمتدة من بحر اليابان إلى شبه الجزيرة الكورية، بل وترى بكين أن أمنها القومي تحت الخطر أيضاً في ظل الحشود العسكرية التي ماتزال جاثمة بل وتزداد في كوريا الجنوبية، فيما السفن وحاملات الطائرات الأميركية تسبح في البحار المجاورة للمياه الإقليميةِ الصينية في تلك المنطقة، وقد باتت منظومة (ثاد) الصاروخية الأميركية تُثير قلق بكين ايضاً. لذلك لامشكلة لدى بكين، وحتى لدى موسكو، باستخدام الأظافر الحادة التي يمتلكها (الهرّ الآسيوي الكوري الشمالي) في التعامل مع الوجه الأميركي وإسالة القليل من الدماء على وجنتيه من حينٍ لآخر، مادامت الأمور تسير وفق عملية ضبط روسية صينية يمكن السيطرة عليها بالتأثير على الطرف الكوري الشمالي بجهدٍ بسيط جداً.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان