كتاب وأراء

تلك التفاصيل

يتحدث الأديب الراحل «نجيب محفوظ» عن مفهومه للصداقة والأصدقاء، ويتوقف عند نقطة مهمة عن تبعات الصداقة والتزاماتها، فالصداقة لم تؤثر في وقت من الأوقات على التزاماته أو مسؤولياته الأدبية فيقول: لم يعطلني الأصدقاء أبدا عن الكتابة، ومن هنا اختلف مع مقولة هنريك أبسن صاحب مسرحية بيت الدمية والذي قال «إن الأصدقاء من الكماليات الباهظة. وليس في وسع إنسان استثمار رأس ماله في دعوة أو رسالة في الحياة أن يحتفظ بهم، وليست الصداقة ناجمة عما يتكبده الإنسان من أجل أصدقائه ولكن عما يحجم عنه إكراما لهم».. إن كلام «أبسن» كلام إنسان لا يعرف قيمة الصداقة ولم يستمتع بها يوما، وإذا كان هناك بين الأصدقاء من يمكن أن يزعجك أو يسبب لك متاعب أو يضيع وقتك، ففي إمكان الأديب أو صاحب الرسالة أن يتغلب على هذه المتاعب بسهولة، ولا يسمح لأحد أن يعطله أو يعيقه عن أداء واجباته والتزاماته، وبشيء من التنظيم والانضباط يمكن أن ينسق الأديب بين التزاماته الأدبية والتزاماته تجاه أصدقائه، بحيث لا تجور أحدها على الأخرى. نجيب محفوظ لم يقرأ كتابا واحدا مرتين باستثناء القرآن الكريم، وهو يبرر ذلك بتأخره في تثقيف نفسه، إذ بدأ القراءة الجدية بعد تخرجه في الجامعة، ولما كان الوقت ضيقا ومتأخرا بالنسبة له فقد حرص على أن يقرأ كل ما يقع تحت يديه، وكل ما يتعلق بالأدب، واعتبر إعادة قراءة كتاب حتى لو نال إعجابه ترفا لا يقدر عليه.. ويجيب «محفوظ» عن السؤال الأزلي الذي يطرحه الكثيرون دائما أما بدافع الفضول أو عن رغبة في الفهم والتعلم وهو: «كيف تكتب؟ أو ما هي طقوس الكتابة لديك؟ فيقول: اختلف نظام الكتابة الذي أتبعه باختلاف المراحل التي مررت بها في حياتي، وهي ثلاث.. مرحلة الوظيفة ومرحلة ما بعد المعاش ومرحلة ما بعد جائزة نوبل، في مرحلة الوظيفة كنت أفرغ من عملي في الثانية ظهرا وأعود إلى البيت لتناول الغداء ثم أستريح لبعض الوقت ثم أجلس على مكتبي عندما تدق الساعة الرابعة، وأبدأ بالكتابة لمدة ثلاث ساعات،ثم تليها ثلاث ساعات للقراءة المتنوعة، ولم تكن الساعات الثلاث المخصصة للقراءة يوميا ترتبط بما أكتب، حيث وضعت لنفسي نظاما في القراءة، بحيث لا يمر عام إلا وأكون قد أخذت نصيبا من
كافة المجالات في التراث والسياسة والثقافة العامة والثقافة العلمية والأدب العالمي، وكنت أبدأ بالكتابة أولا لأنني إذا جعلتها بعد القراءة فلن أنام الليل، فالكتابة تصيبني بصداع يتلوه أرق، وكان عليّ أن استيقظ مبكرا لألحق بمواعيد العمل، لم يكن جلوسي للكتابة بالأمر السهل،لأنه يقتضي أولا أن يكون موضوع الكتابة قد تخمر في ذهني، وكان هذا الأمر يجعلني في حالة تفكير مستمر، أثناء وجودي في الوظيفة، وفي أوقات العمل، وفي أثناء المشي، وحتى في وقت تناول الطعام، وفي كل مرة تأتيني تفصيلة من جسم الرواية، وما الرواية إلا مجموعة تفاصيل صغيرة تتجمع وتكون العمل الروائي في النهاية.. الجلوس للكتابة يقتضي كذلك أن يكون لديك الاستعداد النفسي لها، وفي البداية كنت أجد صعوبة في تهيئة نفسي للكتابة، وأظل ممسكا بالقلم لمدة ساعة كاملة دون أن أكتب كلمة واحدة، ومن خلال التعود، وممارسة هذا النظام الصارم، أصبح الاستعداد للكتابة يأتيني بمجرد الجلوس على المكتب، خاصة عندما يكون الموضوع قد اختمر في ذهني واستوى ولم يبق إلا تفريغه على الورق.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري