كتاب وأراء

قلوبنا وقلوب البريطانيين

يكاد لا تفلت أغنية من الأغاني في الأرشيف العربي للغناء إلا وتجدها تحتوي على لفظة «القلب»، فهي اللفظة الأكثر تداولاً في الأغاني وقصائد الشعراء، خصوصاً العاطفية منها، وربما يعزى ذلك إلى أن القلب موطن الحب، ولأنه مهندس كيمياء العواطف، فهو الذي يخفق ويبعث دماء الحرج أو الخجل إلى وجوه المحبين، وهو الذي يغبط صاحبه في الوصال أو يصيبه بالسهد والسهر في الفراق، وربما لذلك كان الشعراء أسبق من الأطباء في علاقة القلب بالحب، واتخاذ الأول للثاني موطناً ومستقراً.
في بريطانيا اكتشفوا مؤخراً أن قلوب الرجال هناك تشيخ قبل أصحابها، إذ وجدت دراسة جديدة أن قلباً واحداً من كل عشرة رجال في بريطانيا أكبر من عمره الحقيقي، وأغلب الظن أن تشيخ قلوب الرجال البريطانيين ليس لسبب عاطفي، كما تتهشم قلوب المحبين العرب وتمرض قلوبهم، ومن ثم أبدانهم بحب مبتور، أو انتهى إلى فراق، أو حينما يكون الحب عذرياً من طرف واحد.
التشيخ المبكر لقلوب بعض البريطانيين، وبالمعدل الذي أثبتته هذه الدراسة، غالباً يعزى للعادات الغذائية السيئة والبدانة والإفراط في تعاطي الكحوليات، والتلوث الصناعي، والاعتماد على الأطعمة السريعة أو المحفوظة وما شابه من هذه الأسباب، فليس من بينها العواطف المحتدمة، لأن البريطانيين في الحب، كما معظم الأوروبيين، ليسوا قيس بن الملوح، ولا عنترة بن شداد، بينما نحن في عاميتنا نتحدث عن أن الشباب هو شباب القلب، فكلما كان القلب وعاءً له جدران خضراء يمتلئ بالحب كان المرء شاباً، بينما يشيخ القلب ويصبح مسناً إذا هجره الحب واستوطنته الكراهية .
وفي واقع الأمر أن هذه العاميات العربية في الأفواه لا تقل أهمية عن مفهوم الدراسة، ذلك لأنها لا تتحول في أفواهنا إلى أقوال مأثورة إلا بعد تجربة وخبرة بالحياة وملاحظة وممارسة، فالحب في القلب يكون سبباً لصحته، بينما الكراهية تكون مدعاةً لذبوله وتشيخه قبل الأوان، لأن الحب للقلب ترياق وقرص دواء، بينما الكراهية تكون كما السم الزعاف.
سؤال توصلت إليه الدراسة البريطانية يقول: كيف يجب أن نسعى إلى أن تكون أعمار قلوبنا متساوية مع أعمارنا الحقيقية؟ السؤال مهم، والإجابة عليه أكثر أهمية، لأنه لا يكفي أن تدق الدراسة ناقوس خطر، بل الأهم أن تتحرك أيضاً في أعقاب ذلك دراسات تقدم الحل للمشكلة.
ومن المؤكد أن الإجابة ستكون بيد الأطباء، فهم الذين يمكنهم أن ينصحوا مواطنيهم بالسبل التي يمكنهم من خلالها صون قلوبهم وجعلها أكثر شباباً، ولكن الإجابة أيضاً بيد الكوميديا، لأن الضحك في حد ذاته غسيل للقلب من همومه، وأكسير حياة لشرايينه وأوردته، فليس بكيمياء الأدوية وحدها تصح القلوب، ولكن هناك أسباب أخرى في الحياة تجعل القلب ينبض ويدق بعافية وعنفوان.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي