كتاب وأراء

ثقافة استغفال الشعوب !

تحرض الأنظمة الديكتاتورية على نشر ثقافة استغفال الشعوب من خلال كل الأدوات المتاحة لديها وأهمها في عصرنا الحاضر وسائل الإعلام والتسلية وذلك لاستبقاء الهيمنة على الطبقات الفقيرة وغير المثقفة وضمان ولائها وصرف طاقتها في الفراغ، ويكفي أن يتابع الإنسان على مدى ساعتين لا أكثر ما يبث على فضائيات تلك الأنظمة ليكتشف حجم التدليس والنفاق وترويج الأكاذيب ونشر الخوف وبث الرعب بين الشعوب من خلال طابور طويل من المهرجين ممن يطلق عليهم مجازاً صفة الإعلاميين.
وهذا يمكن أن يطلق عليه ثقافة التوجيه المباشر، أما ثقافة التوجيه غير المباشر فلها وسائل وأساليب كثيرة للغاية مستمرة على مدار اليوم مثل إغراق الشعوب في متابعة مباريات كرة القدم والاستغراق ساعات طوال في الحديث عن النوادي والفرق والفائز والخاسر وشراء هذا اللاعب وبيع الآخر والمساومات بين هذا وذاك ولم يعد الأمر قاصراً على ما يتعلق بكرة القدم، بل تعدى الأمر ذلك إلى أنواع لا حصر لها من أنواع الرياضة التي تحولت إلى ثقافة استغفال وفراغ هائلة ترصد لها مليارات الدولارات وتستولي على اهتمام مئات الملايين من الناس بعضهم تسيطر تماماً على حياته ويومه وليله رغم أنها يجب ألا تتجاوز حدود التسلية.
كذلك مئات الفضائيات التي تبث الموضوعات والقضايا الفارغة على مدار اليوم، حيث تحولت التسلية إلى أسلوب حياة رغم أن الإنسان خلق ليعمر الأرض ويحقق غاية الله من استخلافه فيها والتسلية تبقي جانبية لا أساسية.
لكن هذه الأنظمة عرفت كيف تنشر ثقافة الإلهاء والاستغفال لتصرف الناس عن التفكير في المشاركة في صناعة واقعهم أو تقرير مصير أوطانهم، أما عشرات أو مئات الفضائيات التي تبث ما يحرك الغرائز ويثير الشهوات، فإن هدفها الأساسي هو تدمير طاقة الشباب الذين هم عماد الأمة وصناع المستقبل تلك الطاقة التي يجب أن توجه لبناء الأوطان وصرفها عن حياة الفراغ التي يعيشها معظم الشباب.
وثقافة استغفال الشعوب ليست جديدة وإنما هي ثقافة قديمة قدم البشرية، ولكن ما يستجد فيها هو الوسائل والأساليب، فقد كان فرعون يستخدم السحرة كأدوات فعالة في نشر ثقافة الاستغفال، كما أن كثيراً من الحكام المستبدين والطغاة على مدار التاريخ يستخدمون الكهنة والمشعوذين.
وقد نجح هؤلاء إلى حد كبير في استقطاب طبقات كثيرة من الناس فالسلطة لها بريقها، والشهرة لها رونقها والمال الذي يعتبر المحرك الرئيسي في نشر ثقافة الاستغفال كفيل بأن يذلك كثيراً من أعناق الرجال، ولهذا يتعجب الإنسان في كثير من الأحيان أن يجد بعض من كان ينظر إليهم على أنهم أعلام في الناس لاسيما من علماء الدين والمثقفين قد تنازلوا عن مبادئهم أو أصبحوا أدوات في أيدي الأنظمة الديكتاتورية ويشاركون في نشر ثقافة الاستغفال، ومع كل هذا فإن من يقرأ التاريخ يجد أن الشعوب في النهاية تستفيق من غفوتها وكل ما أنفقه الطغاة وما استخدموه من أدوات يتحول إلى هباء منثور.
بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور