كتاب وأراء

عن توظيف «النوستالجيا» في حياتتا العربية

لايوجد عربي واحد تقريباً إلا وعانى لفترة في حياته من «الأُبابة». و«الأُبابة» هي الكلمة الفصحى المساوية «للنوستالجيا» بالإنجليزية أو الحنين الجارف إلى الماضي. ومع أن الماضي زمن لا يمكن الهروب منه إلا أن طريقة العودة إليه تختلف بين الأمم. فبعضها يعود إلى الماضي للعبرة والعظة والاستلهام والتمثل، بينما يعود بعضها الآخر إليه لتسكنه وتعيده حرفياً وتستعيده تفصيلياً.
وشتان بين زيارة الماضي والسكن فيه، بين نقده وأحياناً نقضه وبين الهوس به والذود عنه. هناك فارق هائل بين «ابستمولوجيا» الماضي و«نوستالجيا» الماضي. فالأولى هي النظرة المعرفية المدققة التي تحاول فهم الماضي عقلانياً. أما الثانية فرؤية تبشيرية تقدس الماضي وتجعل العيش فيه ملزماً.
والعرب مثل كل الأمم لديهم ماض، لكنهم يظهرون قياساً بغيرهم حنيناً مفرطاً له. يتوقون بلا حدود إلى شخصيات وأحداث وروايات وظروف يزيد عمرها أحياناً على ألف عام لكنهم يعتقدون أنها لا تفنى بل وتتمتع بقداسة تعصمها من النسيان والتجاهل. وذلك ليس بمستغرب. فمن خسر الحاضر وأضاع المستقبل لن يجد زمناً يعيش فيه غير الماضي. وما أكثر ألوان النوستالجيا العربية. من الحنين إلى الموسيقى والأفلام والمسرحيات القديمة إلى بكاء الإسلاميين والقوميين والليبراليين كل على رموزه ورواياته.
ومع أن النوستالجيا العربية حالة ذهنية تعيش في الخيال تنشر صورا حلوة متوهمة عن الماضي إلا أنها مع ذلك تؤدي خمس وظائف قد يكون بعضها تعويضيا هاما. فهي تقدم أولاً بديلاً لمجتمعات تاهت منها البدائل. بديل يدعي «النوستالجيون» أنه جُرّب وثبت نجاحه والأحرى بالتالي بعثه من جديد واسترجاع عبقريته. وثانياً، للنوستالجيا وظيفة نفسية هامة حيث تعوض بؤس الحاضر وتداوي النرجسية العربية المجروحة أمام المتقدمين باعتزاز مبالغ فيه بمجد تليد وماض عتيد تربع فيه الأجداد على عرش الحضارة. وثالثاً تعيد النوستالجيا إنتاج الهوية حيث تصور فترة زمنية بعينها على أنها الأصل الذي يجب أن ننتمي إليه ونذود عنه. وللنوستالجيا رابعاً وظيفة كفاحية لأنها تُذكّر في أوقات الهزيمة بما فعله السلف في أوقات النصر وبالتالي تقترح الثبات إلى أن تستكمل شروط هزيمة الخصوم مجدداً في المستقبل. أما الوظيفة الخامسة فتتلخص في نقل المجتمع من حالة اللايقين التي يعيشها في الحاضر إلى حالة من الغموض البنّاء انتظاراً لوعد مكتوب يقطع بأن الماضي المسترجع لا بد وأن يأتي حتماً بالخير.
لكن هذه الوظائف لا تجعل النوستالجيا حلاً لأنها بقدر ما تقدم من إجابات لمشكلات قائمة، تفتح الباب لمشكلات قادمة. فالنوستالجيا حالة عاطفية نعيشها وقت الأزمة لمقاومة الشعور بالانكسار. حالة تعطي الناس أملا متوهما، وتخلع قداسة على التاريخ تخفف الضراء وتعد الناس بالسراء. لكنها حالة كارثية بامتياز لأنها تدفع إلى الاتكال وتؤسس لخسارة طويلة للحاضر وللمستقبل طالما أنها تركز الانتباه على ما فات وليس على ما هو آت وتنتج هوساً نفسياً بأن الحلول ما زالت في أيدي الأموات وليست مسؤولية الأحياء. ثم إن النوستالجيا شكل من أشكال نفاق الذات وتمجيد مضخم للنفس من يروج لها إنما يُعفي نفسه من المسؤولية بل وينسب إليها الفضل في قصص بطولية قديمة صنعها غيره لا تجوز المتاجرة بها. النوستاليجيا باختصار هي سجن كبير للذات في أوهام ناعمة وصور مبالغ فيها تغير وتزيف الحقيقة. هي هوس كاسح بالقديم تدعي الاهتمام بالإحياء (بكسر الألف) وتتجاهل مسؤولية الأحياء (بفتح الألف). هي دليل على العجز العربي المتواصل عن بناء حاضر مختلف. هي ذهنية تستدعي الماضي لتعيش فيه لا ليعيش بدروسه فيها. وليت النوستالجيا العربية كانت جماعية بمعنى أنها تربط وتقرب بين العرب، بل إن هناك حالة صراع بين عدة نوستالجيات عربية. هناك حنين طائفي ومذهبي وعرقي تسترجع من خلاله مكونات المنطقة وأطيافها السكانية صوراً متناقضة عن الماضي بما يجعل ذلك الماضي، برغم كل الصور الذهبية التي تخلع عليه، يتحول إلى سبب إضافي لصراعات اجتماعية وسياسية لا حصر لها.
والمؤسف في الصورة العربية أن النوستالجيا بكل أشكالها الطائفية والدينية والعرقية الضيقة يرجح أن يبقى لها لمعان وبريق شديدان طالما أن هذه المنطقة تفتقر إلى نخب مثقفة جريئة تتحدى المجتمعات بلغة تفهمها لتفند لها الماضي وتعريه وتثبت زيف الأوهام التي تنسج عنه. سيبقى الحنين إلى الماضي عبئاً ثقيلاً على هذه المنطقة كلما جرى تقديمه على أنه الأمل في غد أفضل. فليس أسوأ من خداع الناس عن يوم غد إلا بإيهامهم بأن ملامحه توجد في الماضي.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات