كتاب وأراء

بين مقترح الحوار وتصريح الوزير الجبير ومصالح الرياض

خلال كتابتي لهذا المقال أعلنت واس وقنا، عن الاتصال الهاتفي بين سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لتأكيد موقف قطر من بحث كل الخلافات على طاولة التفاوض، واحترام شخصية المملكة الاعتبارية كدولة خليجية كبرى.
ومع الأسف ذلك الاستبشار الذي انطلق من كل صعيد عربي وخليجي متفائلاً بالخبر، عاد للإحباط بعد أن صدر قرار وقف غير مفهوم للحوار، إذ أن الخلاف في تفسير النص لا يُلغي مطلقاً هدفه الرئيسي، وهو ما كان يجب التعامل معه دون آلية التشكيك، والعودة للغة التحريض السلبية للغاية.
ومع ذلك لا نزال نأمل أن ينطلق هذا الحوار في مسار ثنائي، يعتمد المصالح المشتركة والسيادة القومية للدولتين.
وخاصة أن الشيخ صباح الأحمد اختتم زيارته لواشنطن، بخطاب مهم مشترك مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قدم دعمه الواضح للشيخ صباح لكن استمر في بعث رسائل مزدوجة، ربما لمصالح خاصة عُقدت معه منذ تورطه في دعم مشروع العمل العسكري، الذي كان إعلان الشيخ صباح الأحمد عنه، مفصلاً مهماً في تاريخ الأزمة، وهو إعلان يبدو أن الشيخ صباح رغب من خلاله، بتحفيز الجميع على إغلاق مصادر خطيرة أنتجها خطاب دول المحور في أزمة الخليج، والبدء التنفيذي في فك الاشتباك.
والموقف الأميركي لا يزال منذ تعديله عبر تيلرسون، يتجه لدعم هذا المسار، والذي يتوجه إلى ضرورة بعث دول المحور، لردها بالقبول بمقترح الشيخ صباح، للجلوس لبحث الخلافات كما فعلت الدوحة، وليس اعتمادها.
فلا توجد مفاوضات تُعتمد مطالبها من جانب واحد، قبل أن تبحث ويُرّد منها ويُقبل ما يمكن تكييفه وطنياً، بعد تهذيب البند الأصلي، ووضعه في سياق خطاب سياسي معقول، وهذا كان خلاصة خطاب الشيخ صباح الأحمد، لو أن أي محلل سياسي جمع كل ما جاء في خطابه بإنصاف.
وقبل زيارة الشيخ صباح، صدر تصريح مؤسف لوزير خارجية المملكة العربية السعودية، د. عادل الجبير بالاستعداد لتمديد الأزمة الخليجية لعامين، والذي تزامن مع افتتاح ميناء حمد في قطر، وهو ميناء في أقل التقديرات يعتبر من أضخم موانئ الشرق الأوسط.
ورسائله الاستراتيجية واضحة جداً، بأن قطر على استعداد أن تتعامل كجزيرة كاملة، قد فتحت الأبواب بالفعل لعهد جديد، ينتظم فيه اقتصاد المصالح الواسع، مع شبكة خليجية وعربية وإقليمية ودولية، تتجاوز حدودها الجغرافية تماماً، في حركتها الاقتصادية والجيوسياسية واللوجستية وإن بقيت الجغرافيا واقعاً.
ومن الواضح أن هذا البرنامج يُبنى بعقلية استراتيجية، أخذت في الاعتبار أن ما جرى من حملة كراهية، وتهديد وجودي للشعب القطري وسلمه الأهلي وإرادته السياسية، هو مفصل لتاريخها القومي، والحقيقة أنه مفصل لتاريخ الخليج العربي منذ تشكل أقطاره الحديثة، وليس لقطر وحسب.
والاتفاقات الاقتصادية المنهجية، المتسلسلة في بساطها الجغرافي بين سلطنة عمان وبين قطر، ليست عاملا اقتصاديا فحسب، بل هو ربط للعلاقة الاجتماعية الموحدة برؤية سياسية متوازنة، يُضاف إليها البعد الحميمي والموقف المتوازن للكويت أمام الأزمة، الذي ينعكس باطراد من خلال مشاعر الشعب الكويتي ومثقفيه.
والموقف الكويتي كما الموقف العُماني، يرى أن علاقته التاريخية بالسعودية، وخاصة بعد كارثة 2 من أغسطس إبان احتلال الكويت، من جيش الرئيس صدام حسين، هو مركز مشاعر عميق وتوحد اجتماعي مع الهوية العربية الإسلامية للمملكة، وذات موقفها أي الكويت، من رفض حصار قطر واستباحتها ومشاتمة أعراض أهلها، من ذات التجربة العميقة، ورابطة البنية الاجتماعية والعربية والإسلامية.
إذ كيف يُطلب من الكويت تأييد حصار، يقطع الأرحام ويُغلق الباب دون الأرزاق، ويُذهب إلى كل محفل في العالم، لتقديم وجبة تحريض سياسي تتهم دولة شقيقة بالإرهاب.
كيف تشارك الكويت بغزو سياسي واجتماعي وثقافي، حتى الفن والطرب سخُر له في أغاني ملاعنة وقصائد تهجو الاخوة الإسلامية والعربية، وتستدعي موازين الجاهلية التي حرمها الله، عند نُسك البيت الحرام!
ومن هنا مُدت اليد الكويتية إلى قطر، ومُدت مشاريع الاتحاد الاقتصادي القطري مع عمان، التي أيضاً تضع في الحسبان مشروع استهدافها، من دولة الجنوب القادمة تحت سيادة ابوظبي وتخشى من أمور أخرى، يصعب تفصيلها هنا.
إنه من الصعب أن نُحصي حجم الخسائر التي لا تزال ترتد على المنطقة والتي ستكون كلفتها فوق التصورات هذا إذا حافظت على بنية جغرافيتها السياسية، ومن هنا ندخل إلى مركز المقال، فقطر قد اتخذت بالفعل سلسلة من السياسات والاستراتيجيات التي تَعتمد قراءة عقود وليس سنوات.
ولكن ما يعصر كل نفس عربية هو الضغط عبر الحصار الاجتماعي، وقطع الأرحام الذي يؤذي الناس ويضرب في قلوبهم، وفي كل بيت خليجي، ولن يخضع موقف قطر للتنازل عن سيادتها، لكن وهنا السؤال أليس فن الدبلوماسية هو تحقيق الممكن؟
هل هذا الممكن الذي تترتب عليه مصالح سعودية، هو الذي من المعتاد أن تسعى له أي دبلوماسية كعمل من صميم مهنيّتها، ولعل هناك ظروفا تحول بين مهمة د. الجبير وأداء هذه المهمة.
وهنا نعود لقراءتها باستقلال كمصلحة للسعودية، وأين فائدتها من تطويل الأزمة الخليجية، وربط المجتمع بتشنج المشاتمة والطعن في أهل قطر، وتحفيز المجتمع لذلك، ولماذا لا يُعلن وقف هذه الحملة بالتجاوب مع مساعي الشيخ صباح والرد على مقترحاته، وفتح بوابة حوار ثنائية مع الدوحة في مسقط أو الكويت.
هكذا تُحلحل الأمور ويُتفاهم على الخلافات، خاصة في ظل الحصاد الإيراني الكبير، الذي بدأت الرياض تتعامل معه كواقع يواصل الزحف ضد مصالح الخليج العربي، وضد قضايا الأمة، وفي ظل تعقّد ميدان حرب اليمن والذي يتساءل الإنسان حائرا، ما هي مصلحة المملكة من حصار أبو ظبي لهادي وتصفية الشرعية، وتجديد الحرب على الإصلاح، كيف ستستفيد المملكة من هذه السياسة؟
ولكن يبقى هنا مدخل حسّاس جداً، ذكّرنا به من أول الأزمة، وهو التنظيمات الداخلية في المملكة، والانتقال لعهد جديد في تولي الحكم عن طريق الأمير محمد بن سلمان، لقد فندنا سابقاً وبالدليل وقبل تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، أن قطر لن تتخذ أي موقف يخالف الاحترام للإرادة السياسية للعرف الثابث بين أسر الحكم وما يستقر بينها.
وأن هذا الأمر يخص أسرة الحكم في المملكة، وسيتم التعامل مباشرةً مع أي واقع تنجزه الدولة السعودية وإطارها الحاكم، وقد تم هذا الأمر بكل دقة في قضية الأمير محمد بن نايف، وسيتم في أي قرارات أخرى، في سدّة الحكم.
فهل ما يروج له البعض، من حاجة الرياض والعهد الجديد، للتصعيد مع قطر أو إشغال الإعلام بذلك، حتى تستقر الأمور السياسية في الدولة بعد القرارات الجديدة هو صحيح، ومن صالح المملكة؟
ونقول بوعي تام هذا تضليل خطير، يؤدي لصعوبات مستقبلية أمام هذا العهد أيا كان قائده، وأن أبجديات الفكر السياسي هنا، هي العمل على تصفير أو تحييد المشاكل والعمل على حلّها، لتحقيق انطلاقة محلية، نجاحها لا علاقة له بقطر ولا غيرها، بل بالالتفاف لمصالح الشعب، وحرياته السياسية والدستورية والحقوقية والتنموية.
لكننا هنا نتحدث عن مصالح أعداء قطر الأيدلوجيين، الذين جروا الرياض إلى هذا المستوى من العداء والتوريط، أما الحملات الإعلامية وحق الرد سواء كان بإنصاف أو تجاوز، لشراسة الهجوم المحوري وبشاعته على قطر، فهو يتم اليوم في ظل المواجهات والصراعات العنيفة، وهو لا يعني عدم التفاهم على وقف الحملات المتبادلة.
إن طي هذه الصفحة مع قطر، ووقف حرب التحريض عليها وعلى شخصياتها الاعتبارية والسخرية من مجتمعها الوطني، هو ضرورة للمملكة وانتقالها للعهد الجديد، قبل أن يكون لصالح قطر.
كما أن الخليج العربي، الذي أنهكته هذه الأزمة ومكّنت لفتح أسواقه ومستقبله، لمزيد من الاستنزاف، ووظائف تفتح لجيوب ترامب إلى مصالح طهران، بات مستاءً من تطويل هذه الأزمة، التي قطَعتهم دون أهلهم وذرياتهم، المتداخلون في غالب بيوت الخليج العربي، والساحل الشرقي السعودي وباديته.
والضغط على الناس فضلاً على أنه ليس عملاً أخلاقياً، لكنه في التاريخ لم يُغيّر سياسة دول، لديها من أسباب العيش والاستقلال ما يغنيها عن إسقاط سيادتها عقوداً من الزمن، في حين خرائط التهديد للوحدة الجغرافية للمملكة وعزل الشرق، التي يُشار لها في الداخل والخارج، تتطلب كسب الشقيق قبل الصديق، لتوحيد الموقف الإعلامي والسياسي منها، عبر طاقم حكومي أمين صالح.
وحين يعاد طرح هذه الرؤى من جديد، فبما تواجه الدول المركزية مستقبلها؟ بكسب الحليف القريب وتسوية مناطق الحدود المباشرة، وتحييد كل مساحة، أمام مستقبل جديد له وعليه تحديات كبيرة، أم أن الدبلوماسية تسعى لتفجير الأزمات وإطالتها، نأمل أن تستوعب هذه الرسالة من الرياض، قبل أن يدخل تدويل الأزمة مساراً يسبق فيه السيف العذل.
بقلم : مهنا الحبيل

مهنا الحبيل