كتاب وأراء

تأملات تحت سماء بيروت

وسوس لي الجو في هدأة أصيل كورنيش بيروت بتأمله كما أقنعني أني جزء لا يتجزأ من وسامة الطبيعة الممتدة من زيتونة باي، مرورًا بعين المريّسة وصولا للروشة وحتى الرملة البيضاء.
في هذه الجنان مشيت وتمشيت ورحت ثم أتيت حتى أنهكت، فاستوقفت ومكثت في المقعد الخلفي بسيارة الأجرة وذهني مشدوه ومشدود بل مأخوذ بروعة سماء بيروت، حتى تهت كليًا عن العوالم وسرحت في متاهات تلكم السماء الغارقة في ابداعات الخالق. ولشدة تركيزي وتأملي بتلكم الزرقاء وقعت فريسة لظاهرة نفسية تُسمى «باريدوليا»، تلك التي تحث أصحابها على رؤية وتمييز أشكال واضحة في أشياء معدومة الشكل، لذلك فقد رأيت أشكال طيور تبتسم في السحب بلون أبيض، كما خيل لي وجوه بشرية تضحك في صفحة السماء!
وعادة لا يلحظ المرء هذه الظاهرة الا عندما يكون وحيدًا، ما يؤكد حقيقة جدًا مؤسفة وهي أننا كبشر نفتقد الخصوصية في الحياة، بل لا نسعى لتخصيص وقت للمكوث مع أنفسنا للتعرف عليها والتنقيب فيها بدليل أنه ما أن نختلي بذواتنا اجباريًا الا ونسرح وتسيطر علينا ظاهرة الباريدوليا».
فلا نحن نعثر كما لا نسعى للعثور على دقائق معدودة نختلي فيها مع أنفسنا ولسنا معتادون على الجلوس مع الذات إلا إذا أُجبرنا، ما يعني افتقادنا للشعو بحاجتنا للمكوث دون جمع كوننا نفتقد لثقافة حتمية تخصيص وقت للذات، عوضًا عن أن الكثيرين لا يأنسون بالجلوس مع أنفسهم أو تراهم لم يختبروا هذه العلاقة مع النفس من الأساس.
أننا ما أن نجلس بدون ازعاج من أحد حتى نسرح أو نتوه فتلعب بنا الظواهر، لكن قلما نتأمل أو نفكر.
الغريب أن من يجلس وحيدًا في غرفة يرى وجوه مكفهرة وصور حيوانات مفترسة. لكن من يتأمل صفحة السماء يلقى أبهة الجمال الرباني ما أن يخلّي بينه وبين سماء ست الدنيا بيروت.
صحيح أن الإنسان عرف ككائن اجتمعي لديه شغف شديد بالتعرف على الآخرين من منطلق أن معرفة الناس فرص وكنوز. لكن الأصح أن معرفة النفس أولى. وازعم أن ندرة من كان هاجسهم التنقيب في نفوسهم ليتعرفوا على كنه ذواتهم.
كثيرون تم برمجتهم فاقتنعوا أن ماما تعرف أكثر منهم «ماذا يفضلون»، وبابا أدرى بمصلحتهم. فتقبلوا بانقيادية خيارات الأهل لهم سواء في زيجة، وظيفة أو حتى في انتقاء ملابس بدعوى أن الأهل أكثر خبرة وأكثر دراية بنا عنا.
فينشأ مجتمع نسبة كبيرة منه مستمدة ومستندة على خياراتها من اسلافها ومحيطها. لذا، قد يحدث انهيار للابنة حال وفاة والدها، والزوجة لو رحل شريكها. فقد اتكئ الفرد كليًا على الآخرين في خيارتهم، جلساتهم وسعادتهم في التوافه والعظائم.
لقد ارتبطت عقلوهم بالعقلية الجمعية حتى أن وجدانهم تعلق بوجدان المجموع، فصار يستلذ بما هم يتذوقون ويقتبس من مشاعرهم لو نضبت مشاعره، تمامًا كما يقترضون من أموالهم لو ضاقت مواردهم.
لقد صادقوهم بتبعية الثقة حتى تغربوا عن أنفسهم. فيعيش الواحد منهم في دائرة مغلقة مربوط بآخرين عليه التواجد وسط هذا الجمع والخضوع لقوانينهم والابتهاج لمباهجهم والتأمين على ناموسهم. حتى في وسائل التواصل، عليه أن يبرر غيباه ولو ليومين. على أن الرغبة في الجلوس بمفرده لن تنهض كمعاذير مقبولة، بل لربما ترجموها كاكتئاب! لأنك لو أنبأت أحدهم أن الوحدة كنز لشك في قواك العقلية. وقديمًا قالها المسيح «الوحدة قاتلة إلا مع الله» على أنه قليلون يلمسون الأنس مع الخالق لعدم اعتيادهم الجلوس حتى مع أنفسهم بمفردهم.
فالغربة، السجن، النفي، الابعاد، الحصار، الفشل، الكراهية والأمراض المعدية تلكم عوامل تساعدك على الاضطرار للوحدة التي قد تراها عقوبة ولكنها في الواقع فرصة من الله ليختلي بك ليحثك على البحث عن نفسك في نفسك، عن كنزك المخفي تحت جلدك.
ليست دعوة للعزلة عن العالم بل رجاء بالكف عن الاغتراب عن الذات.
- كاتبة مصرية
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي