كتاب وأراء

مبادرات مضيئة من الدوحة إلى كاليفورنيا

عادت قضية إقليم دارفور من جديد إلى دائرة الضوء، ليس من زاوية الاقتتال وعدم الاستقرار أو النزوح وتدفق اللاجئين، بل من زاوية مغايرة تماماً، فهذه المرة من قضية لها علاقة بالبيئة.
أفاد تقرير نشره الاتحاد الدولي للفروسية (إف إي آي) الذي يوجد مقره الرئيسي في لوزان السويسرية، بأن عدد خيول الفروسية التي توجد في إقليم دارفور 1.8 مليون حصان، وبذلك يعد الإقليم ثاني منطقة في العالم من حيث عدد هذا النوع من الخيول بعد البرتغال التي يصل عدد خيول الفروسية فيها إلى 2.4 مليون جواد.
يؤكد الدكتور محمد الضوي الطبيب البيطري لاتحاد الفروسية السوداني هذه الأرقام، ويقول إن الرقم مرشح للزيادة إذا تبددت الظروف السائدة حالياً في الإقليم.
تقول مصادر غربية في الخرطوم إن العدد الضخم من خيول الفروسية إضافة إلى وجود واحد من أكبر مستودعات المياه الجوفية في العالم بإقليم دارفور، يجعل من مسألة تحقيق السلام في الإقليم أمراً ملحاً ليس على الصعيد الإنساني بل كذلك على صعيد البيئة، مشيراً إلى أن إعادة توطين اللاجئين والنازحين سيساهم في تنمية الموارد الطبيعية والحيوانية، وهو ما يثير ارتياح «الخضر» وأنصار البيئة في أوروبا.
في هذا السياق ينظر السودانيون بكثير من الرضى والامتنان لما تحققه المبادرة القطرية التي تعرف باسم «مبادرة قطر لتنمية دارفور» وكانت إحدى ثمرات «وثيقة الدوحة الدوحة للسلام».
كانت المبادرة القطرية قد شرعت في أواخر الشهر الماضي، وفي إطار المرحلة الثانية لبرنامج تنمية دارفور في تشييد ثمانية مجمعات سكنية في أربع ولايات بإقليم دارفور، تشتمل على مختلف الخدمات بما في ذلك الحفاظ على البيئة تبلغ تكلفتها قرابة 35 مليون دولار، ومن ذلك إنشاء محطة مياه وطرقات ومساحات خضراء، مع تزويد جميع وحدات المجمعات السكنية بالطاقة الشمسية.
مبادرات تحقيق السلام في إقليم دارفور المضطرب، على غرار «المبادرة القطرية» باتت تتجه إلى معالجات في العمق، وذلك بتوفير حياة مستقرة للمتضررين من الحرب، والعناية بالبيئة. وهو ما أحدث تحولاً في أوروبا وأميركا جعل أنصار البيئة يدعون لمضاعفة الجهود لاستتباب الوضع في دارفور.
وكانت مبادرة تمت في وقت سابق من طرف منظمة بريطانية استقطبت اهتماماً نظراً لفرادتها. بادرت تلك المنظمة، وتسمى «أطفال من أجل الأطفال»، لتوزيع ماعز على الأسر التي لديها أطفال، حتى يتناول هؤلاء الأطفال حليباً طازجاً، كما قدمت دواب لأمهاتهم لكسب بعض المال، لإعاشة أطفالهن. فكرة المنظمة أن استقرار الأمهات يعني تلقائياً استقرار أطفالهن، ويمكن أن يقودهم ذلك نحو المدرسة.
كنت قبل ذلك، اطلعت على عمل آخر، أنجزته أيضاً منظمة غير حكومية في دارفور.
ذلك العمل انطلق من مدينة «أركاتا» في ولاية كاليفورنيا. تلك المدينة هي الوحيدة في الولايات المتحدة التي ظل يسيطر على مجلسها المنتخب «حزب الخضر». إذا افترضنا أن طائرة أقلعت من «أركاتا» باتجاه دارفور فإنها تحتاج إلى 17 ساعة طيران دون توقف. بيد أن إشعاع هذه المدينة الصغيرة التي اختار سكانها أن تكون البيئة قضيتهم الأولى، وصل إلى حيث توجد معسكرات لاجئين ونازحين من دارفور، إذ أن منظمة «إنترنيوز» التي توجد في «أركاتا» تمول ثلاث محطات على موجة «إف إم» وتبث أخباراً وبرامج وموسيقى، بل وتدرب مذيعين ومحررين على العمل الإذاعي. هذه المحطات تبث بالعربية والفرنسية ولهجة قبيلة «الزغاوة» وكذا قبائل «المساليت» في جنوب دارفور. توجد الإذاعة الأولى في معسكر «قوز بيضة» في تشاد للاجئين، وهي «إذاعة سيلا» وتبث باللغتين العربية والفرنسية إضافة إلى لهجة المساليت. والثانية في «أبشي» تبث بالعربية والفرنسية ولهجة المساليت، أما المحطة الثالثة في «آبسون» وتبث بالعربية والفرنسية ولهجة الزغاوة. وتركز الإذاعات الثلاث على توعية الأمهات، لرعاية أطفالهن والعناية بالبيئة.
هكذا تتحالف «التنمية» و«البيئة» و«الإعلام» لتحقيق ما فشلت فيه قعقعة السلاح في دارفور.

بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل