كتاب وأراء

«نووي بيونغ يانغ» وسقوط هيمنة أميركا

في وقت كانت تحاول فيه الولايات المتحدة الأميركية إخافة كوريا الديمقراطية بالمناورات العسكرية في كوريا الجنوبية وإرسال سفنها وحاملة طائرات إلى مقربة منها من جهة، والضغط على الصين وروسيا من أجل أن تضغطا بدورهما على بيونغ يانغ لدفعها لتليين موقفها وتقديم التنازلات بما يستجيب للشروط الأميركية لناحية نزع البرنامج النووي والأسلحة النووية التي بحوزتها من جهة ثانية، فاجأ رئيس كوريا الديمقراطية كيم جونغ أون العالم وأميركا بإجراء تجربة قنبلة هدروجينية بنجاح، تبلغ قوة القنبلة ستة أضعاف قنبلة نووية وتصل قوتها التدميرية مساحة 200 كلم2.
ولوحظ أن الإعلان عن التجربة أرفق بنشر صور للرئيس الكوري وهو يعاين قنبلة هيدروجينية يمكن وضعها على الصاروخ الباليستي العابر للقارات الجديد الذي تمتلكه الدولة الكورية والذي يطال مداه الأراضي الأميركية في رسالة بالغة الدلالة على تنامي قدرات بلاده النووية والعسكرية.
وسبق هذه التجربة قيام كوريا الشمالية بتجربتين ناجحتين لصاروخ باليستي عابر للقارات من نوع «هواسونغ-14». وفي أغسطس الماضي، هددت بإطلاق صواريخ قرب جزيرة غوام الأميركية في المحيط الهادي، فيما أطلقت الأسبوع قبل الماضي صاروخاً متوسط المدى حلق في سماء اليابان وسقط في المحيط.
وبشأن تجربة القنبلة الهدروجينية قال كوني سوه، وهو أستاذ الهندسة النووية في «جامعة سيول الوطنية»، إنّ «القوة أكثر بعشر أو 20 مرة من تجارب سابقة، وهذا الحجم هو المستوى الذي يجعل أي شخص يقول إنها تجربة لقنبلة هيدروجينية».
غير أنه مع اختبار القنبلة الهيدروجينية، في تحد غير مسبوق للولايات المتحدة وغطرستها وهيمنتها، يمكن لأي متابع لمسار الأزمة في شبه الجزيرة الكورية أن يدرك أن كوريا الديمقراطية قد نجحت في بلوغ مرحلة الردع النووي في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، القوة الأولى في العالم، ووضعت واشنطن أمام استحقاق التسليم والاعتراف بـ بيونغ يانغ دولة نووية مستقلة تدخل نادي الدول النووية، لاسيما بعد أن تبين بان كوريا الديمقراطية وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها بحاجة إلى إجراء تجارب جديدة، بالاستناد إلى أن باكستان انتزعت الاعتراف بها دولة نووية بعد أن أجرت ست تجارب نووية ولم تعد بحاجة إلى إجراء المزيد من التجارب. وبناء على ذلك فإن واشنطن ليس أمامها من خيارات سوى القبول بهذه الحقيقة وبالتالي التسليم بأن زمن الهيمنة الأميركية الأحادية قد ولى إلى رجعة، وعليها أن تقر وتعترف باستقلال كوريا الديمقراطية والتوقف عن التدخل في شؤونها الداخلية.
هذه النتيجة باتت حقيقة واقعة وإن حاولت واشنطن المعاندة والمكابرة حالياً في عدم التسليم بها، لكنها سوف تكون مضطرة عاجلا أم آجلا إلى الإقرار بها لأن لا بديل آخر لديها، فاستخدام القوة يعني دفع الأمور نحو اندلاع حرب نووية مدمرة، ستكون كارثية على الكوريتين وأميركا ودول المنطقة ولهذا ليس من أحد له مصلحة بالذهاب إلى حرب نووية. أما اللجوء إلى سلاح فرض عقوبات جديدة فإنه لن يقود إلى تحقيق ما تصبو إليه واشنطن بإجبار بيونغ يانغ على الرضوخ لشروطها وإملاءاتها، فالعقوبات التي فرضت على مدى العقود الماضية لم تفلح في ثني كوريا عن مواصلة السعي إلى بناء قوتها النووية والعسكرية وصولا إلى دخول النادي النووي العالمي.
وأميركا والدول الغربية التي فشلت في إخضاع كوريا الديمقراطية في ظل هيمنتها الأحادية على العالم والقرار الدولي، إثر انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي، لن تنجح في بلوغ ذلك بعد أن امتلكت كوريا قدرة الردع النووي، وانحسرت الهيمنة الأميركية عقب فشل حروب أميركا في العراق وأفغانستان، وعودة روسيا إلى لعب دورها كدولة عظمى على الساحة الدولية، وتعاظم قوة الصين، وهما الدولتان اللتان تسعيان إلى كسر الهيمنة الأحادية الأميركية، وتقفان إلى جانب كوريا الديمقراطية، وإن كانتا تنتقدان إقدامها على اختبار القنبلة الهدروجينية التي تبلغ قوتها ستة أضعاف القنبلة النووية وقدرتها التدميرية تصل إلى 200 كلم2 وهي مساحة شاسعة جدا.
ومن هذا المنطلق كشف العديد من الباحثين والكتاب الأميركيين عن أنه من الخيارات التي يجري دراستها في واشنطن خيار التسليم والقبول بكوريا الشمالية دولة نووية على غرار باكستان والهند، وأن لا سبيل للخروج من مأزق المواجهة إلاّ عبر القبول بذلك، لأن القدرة على تطويع بيونغ يانغ وإخضاعها ومنعها من امتلاك القدرة النووية قد تجاوزها الواقع والنجاحات الكورية المتواصلة. في حين أن كوريا باتت فعلاً تملك قدرة الردع النووي وأن أميركا باتت خياراتها محدودة جداً.. والحديث عن جنون الرئيس ترامب في مثل هذا الوضع ليس سوى للتدليل على عمق المأزق الأميركي الذي يفرض على صناع القرار في واشنطن الرضوخ لحقيقة أن أميركا فشلت في إخضاع كوريا، وأن المواجهة معها قد انتهت إلى انتصار بيونغ يانغ وهزيمة أميركا.
أما مراهنة واشنطن على قيام روسيا والصين بالوقوف إلى جانبها ضد كوريا الديمقراطية، فإنها مراهنة لا تعدو سوى سراب ووهم لأن موسكو وبكين تريدان حلاً للأزمة الكورية عبر الحوار بدون شروط مسبقة، ما يشكل، في حال قبلت به واشنطن، انتصاراً لموقف بيونغ يانغ.
وهكذا فإن كوريا نجحت في فرض معادلة توازن الردع والرعب النووي في مواجهتها الطويلة مع أميركا.. ويتبين للعالم مجدداً أن واشنطن لا تفهم سوى لغة القوة.

بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي