كتاب وأراء

الأزمات تدفع «الأمم» للإصلاح مجدداً

عاد ملف إصلاح الأمم المتحدة إلى دائرة الضوء مجددا، ولكن هذه المرة وبشكل محدد، على خلفية الأزمات الإنسانية المتفاقمة التي باتت تؤلم الضمير العالمي. ويعود الفضل في ذلك إلى الأمين العام الجديد أنطونيو جوتريس المعروف بخبرته الطويلة والعميقة بشؤون اللاجئين، والذي علا صوته أكثر من مرة داعيا إلى ضرورة إحداث تغيير في منظومة المنظمة الدولية لإصلاحها هيكليا، ولوقف المآسي الإنسانية التي باتت تهدد الأمن العالمي.
إصلاح الأمم المتحدة ليس قضية جديدة بكل حال، فما أكثر المحاولات التي جرت بشأنه من جانب أمناء عامين سابقين، وكلها للأسف باءت بالفشل. إلا أن انتخاب جوتيرس أمينا عاما جديدا أشاع قدرا من التفاؤل، ليس فقط لأنه جاء بموافقة صريحة من كل من الولايات المتحدة وروسيا، ولكن بحكم خبرته السياسية الطويلة في بلاده البرتغال وداخل الأمم المتحدة كرئيس للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين عام 2005 ولمدة عشر سنوات كاملة.
وسط هذه التقديرات لإمكانيات جوتيرس تولد عنه الانطباع بأنه شخصية إدارية وسياسية يمكن أن تتخذ قرارات مهمة لإصلاح المنظمة الدولية. ووجد في الأزمات الإنسانية التي تفجرت في أغلب أركان المعمورة نتيجة الخلافات السياسية وأعمال الإرهاب مدخلا لإقناع الدول الكبرى بأن شيئا من الإصلاح الهيكلي للمنظمة الدولية أصبح ملحا ولا يجب إعادة تكرار الخلافات.
هكذا تقرر أن تكون اجتماعات الجمعية العامة (سبتمبر 2017) مناسبة لإعادة فتح ملف إصلاح الأمم المتحدة، وذلك من خلال مشروع إعلان سياسي صاغته الولايات المتحدة يضم عشر نقاط هدفه تدعيم جهود جوتيرس في إجراء تغييرات ملموسة في نظام الأمم المتحدة من أجل تحسين نشاطها بخصوص الاستجابة للعمليات الإنسانية والتنمية ومساندة مبادرات السلام، وأن تلتزم الدول التي ستوقع على الإعلان بتقليص الازدواجية والتكرار والتداخل في التفويض بما في ذلك بين الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة.
وبرغم كل هذا التفاؤل، إلا أن رهان النجاح يكاد ينحصر في القدرات الشخصية للرجل وحده استنادا إلى خبراته السياسية والإدارية داخل بلده وفي الأمم المتحدة، بينما لا توجد مؤشرات على أن الدول الكبرى ستعي دروس الماضي وتلتف حوله لتحقيق أهدافه في الإصلاح. فالرئيس ترامب هو نفسه الذي سخر من المنظمة الدولية من قبل. هذا فضلا عن أنه دخل في خلافات عديدة ليس فقط مع روسيا بل مع أقرب حلفائه الغربيين، بما يثير الشكوك حول إمكانية أن يشكل الإعلان المذكور علامة على تحقيق إصلاح فشل فيه كل الأمناء السابقين.
ومن جهة أخرى فإن منصب الأمين العام للأمم المتحدة يبدو سياسيا من حيث الواقع باعتباره الشخص الذي يمثل العالم. ولكن في الحقيقة وبحكم الميثاق نفسه هو أعلى قيادة إدارية في المنظمة الدولية (المادة 77) أو موظف إداري كبير.
من نفس المنطلق السابق ودون الإغراق في التفاؤل بما يمكن أن يخرج عن مناقشات الجمعية العامة في دورتها لهذا العام، فإن أقصى ما يتمناه جوتيرس هو تحقيق إصلاح إداري داخل الأمانة العامة التي هي إحدى فروع هيئة الأمم المتحدة الرئيسية، وذلك بإعادة هيكلة الوظائف لخفض النفقات أو ترشيدها وتحديث التقنيات ووضع نظام جديد للمعلومات، والأهم بالنسبة له توجيه الأمانة العامة للتركيز على حل الأزمات الإنسانية مستفيدا من خبراته الإدارية في هذا المجال. إلا أن هذا بدوره يصطدم بضرورة الحصول على موافقة الدول الأعضاء، حيث لا يستطيع هيكلة الوظائف وضبط الميزانية إلا بموافقة هذه الدول!. والمعنى هنا أن الإصلاح لن يقترب من وضعية الهيئات الأخرى التي هي أكثر أهمية. وهكذا فإن أية بوادر للإصلاح حتى لو اقتصرت على الأمانة العامة لن يكتب لها النجاح إلا بوقوف دول العالم بحزم على مبدأ واحد، ولن يتحقق الالتزام في أجواء الانقسام القائمة الآن في العلاقات الدولية. هو استعداد للإصلاح يتمناه الجميع، ولكن على الدول الكبرى أن تنهي خلافاتها أولا.

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد