كتاب وأراء

دخول سياسي .. أم دخول للسياسة ؟

في إحدى مشاركته التلفزية القليلة، كان على الفقيد الأستاذ محمد عابد الجابري أن يجيب صحفية القناة المغربية الثانية، على سؤال تقليدي حول «الدخول السياسي» في بلادنا، غير أنه بذكاء المفكر، فضل أن يزحزح قليلا يقيننا الجماعي المتلقف بسذاجة لمثل هذه المفاهيم الجاهزة للاستعمال متعدد الأعراض.
انطلق صاحب نقد العقل العربي، من تفكيك الترجمة الفرنسية لكلمة الدخول (LA RENTRÉE) والتي قد تعني بالضبط إعادة الدخول، وهو ما يجعل السؤال الجدير بالطرح ؛هو هل سجلت بلادنا، بدءا دخولها الأول للسياسة، حتى يتسنى لها بعد ذلك مجارات ترف الصحافة، في استهلاك مثل هكذا تقاليد، حول - إعادة - الدخول السياسي في بداية أي موسم.
لنتفق بداية، أن السياسة تعني المجال العمومي المفتوح للتداول والحوار والاختلاف، تعني المدينة كفضاء لتجسيد التفكير الجماعي في قضايا الشأن العام، تعني المواطنة كتكثيف لقيم المدينة والالتزام، تعني الانتخابات كآلية لاختيار السياسات والمقررين، تعني المشاركة كدليل على الشرعية وكتفعيل للمراقبة والمحاسبة.
ثم لنقر، بعد ذلك بأن تاريخ «السياسة» بهذا المعنى في شرطنا المغربي والعربي، يكاد يجعل منها عنصرا طارئا، إذ لا نملك تقاليد قوية للمجال العمومي ولا نجر وراءنا أجيالا وأجيالا من الحزبية والصحافة، ولا نحمل تاريخا عميقا لفكرة المشاركة.
نعم فكثير من بلداننا دبرت لعقود بكثير من «اللاسياسة»، بحقل عمومي مغلق أو يكاد، بدوائر هامشية للفعل وللفاعلين السياسيين، باحتقار واضح لشرعية المواطن وبهيمنة كاملة للدولة على المجتمع.
لأجل ذلك عانت السياسة سنوات صعبة في المجتمعات العربية، إذ كان عليها أن تتحول إلى عكس ما هي، ولأجل ذلك طورت دولها، في كثير من الحالات والمراحل، خطابا دائما للتشكيك في السياسة وفي السياسيين، وتبنت العقيدة التقنقراطية كنقيض للسياسة وللاختلاف وللديمقراطية، واحتقرت الحقل الانتخابي ورسمت له حدودا هامشية للتأثير، وتكلفت بصناعة أشباه السياسيين وأشباه الأحزاب. ثم كان عليها أن تدرك فيما بعد أن ثمة حاجة لتصالح ضروري مع المجتمع ومع المواطن... ومع السياسة.
لذلك يتحدث البعض عن «ندرة السياسة» في محيطنا، وعن كون مجتمعاتنا تعيش إشكالية انتقال طبيعي لزمن السياسة.
بقلم : حسن طارق

حسن طارق