كتاب وأراء

القراءة السريعة ليست رفاهية


يقول فولتير: «سُئلتُ عمن سيقود الجنس البشري؟ فأجبت: الذين يعرفون كيف يقرؤون».
فولتير كاتب ومؤرخ وفيلسوف فرنسي مشهور، من وفيّات عام 1778م. تَفصلنا عنه حوالي ثلاثة قرون ونيف، كان حجم المعلومات وتنوعها وتدفقها آنذاك، مختلفًا جّدًا عمّا نعيشه في الوقت الحاضر، لذا يُعتقد أنه لو عاش الآن بيننا، في عصرٍ تتضاعف فيه المعلومات كل 6 أشهر -كما تشير إليه بعض الإحصائيات-، لاختلفتْ إجابته، وقال: «الذين يعرفون كيف يقرؤون بسرعة».
والقراءة السريعة –لمن لا يعرفها- حسب ويكيبيديا: «عبارة عن مجموعة من الأساليب التي تهدف إلى زيادة معدلات سرعة القراءة دون التأثير بشكل كبير على الفهم أو الحفظ، هذه الطرق تشمل طرقا لاستخدام الذاكرة والقضاء على القراءة الصامتة». ولهذا النوع من القراءة مسابقات دولية تُقام بشكل دوري، ومن مشاهيرها: هوارد برغ (HOWARD BERG) أسرع قارئ في العالم، دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية؛ لقدرته على قراءة 2500 كلمة في الدقيقة. بينما الشخص العادي يستطيع قراءة 200 إلى 300 كلمة في الدقيقة.
ولا يهم التطرق إلى تاريخها ومدارسها، فلكلِ مقام مقال، ولكن السؤال: لماذا نحن بحاجة لتعلّم وتعليم مهارات القراءة السريعة؟! وما القيمة المضافة لهذه المهارة؟!
يدّعي البعض أن الإعلاميين والسياسيين والمشاهير، هم أحوج من غيرهم لاكتساب هذه المهارة وتعلمها، بينما يجد آخرون أن هذه المهارة يجب أن تصبح عملية روتينية يقوم بها الجميع بمختلف بيئات عملهم واهتماماتهم القرائية، خاصة أولئك العاملين في الحقل العلمي والمعرفي والثقافي، من أكاديميين وطلاب.
الحقيقة أنه، علاوة على قدرة القراءة السريعة– إلى حدٍّ ما- في التعامل مع المعلومات التي تتضاعف بشكل صاروخي وبطريقة يصعب السيطرة عليها، فإن لديها قدرة ممتازة في تنشيط الذاكرة، وتحفيز الدماغ، والذي هو كالعضلة التي تحتاج الكثير من التمرين والتدريب حتى يعمل بكفاءة. أيضًا تمثل القراءة السريعة أداة لتعلم التركيز، إذ يخوض القارئ بالطريقة التقليدية بحارًا عدة من الخيالات والتفكير في جوانب ثانوية غير مهمة وقت القراءة مما يترتب عليه مضيعةً للوقت وفقدانًا للتركيز، بينما يحدث العكس وقتَ القراءة السريعة التي تحفظ الذهن من التشتت والخمول أيضًا.
بجانب القدرات الذهنية والعقلية التي تُنميها وتعززها القراءة السريعة، تزيد حظوظ ذويها في معدل الشعور بالثقة بالنفس والرضا الناتج من التنوير والتنوع الثقافي والوعي الذي يتحصلون عليه بعد القراءة في مجالات عدة لا تقتصر فقط على تخصصاتهم. كما تساعد هذه المهارة الطلاب والأكاديميين في تقليص الوقت الذي من الممكن أن يقضوه في قراءة كتاب واحد أثناء إعداد بحوثهم ودراساتهم.
ومن الجدير بالذكر، أنه وقبل تطور القراءة السريعة بمفهومها الحالي، كان أحدهم يدعى ونستون تشرتشل -رئيس وزراء المملكة المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية- قد قرأ ما يربو عن 5000 كتاب في حياته كلها. ولك أن تتخيل عزيزي القارئ كمَّ الوقت الذي أضاعه هذا الإنسان في سبيل القراءة وتثقيف نفسه؟!
وكما نعرف، فإن القراءة القضية المؤرقة لشعوبنا العربية، خاصة مع التدحدر السريع الذي نعيشه في مختلف المجالات، وهي مسألة يجب أن تُعطى حقها ووقتها لتُعالج، إذ لابد أن نتَيقّظ لها ونستفيق، حتى لا نبتعد سنوات ضوئية، أكثر مما ينبغي، عن باقي شعوب العالم المتقدمة.
ولأننا في القراءة الاعتيادية متأخرين، بسبب كم القضايا المهول الذي يؤرقنا، أصبح بفضل الله لدينا بديل، لعلّه يُعين ويُفيد في تَدَارُك بعضَ ما فات. لذا وجب التأكيد أن القراءة السريعة حاجة مُلحة وليست رفاهية و«برستيج».
بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي