كتاب وأراء

السعودية عودة الوعي أم استمرار الغي ؟

حصار قطر في اعتقادي نذير شؤم على دول الحصار وخاصة المملكة العربية السعودية، نظرا لطبيعة نظامها القائم على إحداث الضرر دائما في الخارج خوفا وتحصينا للداخل الهش من رياح التغيير ولي هنا بعض الملاحظات:
أولا: حدود السعودية دائما حدودٌ متحركة مع الجوار ودافع التوسع دائما هو هاجس الدولة الدائم والمستمر، لها خلافات حدودية مع جميع جيرانها بلا استثناء تسخن كلما استدعى الوضع الداخلي ذلك وتبرد كلما اقتضت مصحلته أيضا.
ثانيا: النظام السعودي نظام براغماتي إلى درجة كبيرة وإن ادعى الكثير من المثالية الدينية الإسلامية،حيث لا يمثل الإسلام في أجندته سوى وسيلة براغماتية فلديه قدرة كبيرة في تقمص إرادة الخير في مقابل إرادة الشر، إلا أن هذه الأزمة كشفت كثيرا من الفجوات في مفهوم الخير الضيق الذي يعتمده النظام السعودي ومفهوم الشر الواسع الذي يصمه لمن يخالفه.
ثالثا: أنشأ النظام السعودي رابطة العالم الإسلامي منذ الستينيات لمواجهة التيار القومي وها هو يستغلها اليوم بشكل فج لأهدافه السياسية من خلال الدعوة لمقاطعة قطر.. وكيف يمكن لمنظمة إسلامية أن تتبنى موقفا سياسيا ضيقا بلا اعتبار لوضعها الأخلاقي والديني؟
رابعا: وقفت السعودية في الماضي مع الأمام الحوثي ضد الثورة في اليمن واليوم تحارب الحوثي حتى آخر يمني على قيد الحياة رغم الفشل الذريع حيث أثبتت عاصفة الحزم أنها ليست سوى نزوة غير محسوبة المخاطر، فالشعب اليوم في اليمن يمر بمجاعة لم يشهدها في تاريخه وتفش للأمراض يفتك بأبنائه لم يشهد له التاريخ الحديث مثيلا.
خامسا: لا يسعى النظام السعودي إلى إقفال الملفات مع دول الجوار، ولا يسعى إلى حلها في نفس الوقت، والدليل الأزمة الراهنة مع قطر، حيث كل ما يحتفظ به من ادعاءات مضى عليها أكثر من عقد من الزمن وتخللتها فترات طويلة من شهر عسل توج بزيارة تاريخية للملك سلمان منذ شهور قليلة، لكن الوضع الداخلي تطلب أن تكون أزمة بهذه الشدة والعنف.
سادسا: حتى ميثاق الدرعية الشهير بين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب الداعي لتنقية الدين من الشوائب عام 1745 والذي يُعتبر أساس ومرجعية النظام السعودي السياسية، جعلته السعودية والإمارات دكا وكأن لم يكن ونحن نشاهد غلاة الشيعة على جبل عرفة منذ أيام وهم يمارسون بدعهم.
سابعا: في حين كانت الكويت تدفع رواتب هيئة التدريس في جامعة صنعاء والتي أنشأتها أيضا الكويت، كانت السعودية ترشي القبائل وتستعدي الواحدة على الأخرى لتأمين حدودها وشراء الذمم، وقال إعلامي يمني «هنا الفرق بين النظام الوطني العروبي والنظام البراغماتي الذي يربط القيم بالمنفعة الخاصة الضيقة».
ثامنا: أنشأت السعودية قناة العربية لمواجهة قناة الجزيرة، إلا أنها أصبحت مصدرا لكراهية الشعب السعودي قبل غيره لبجاحتها ولقلة مهنيتها فلم تصل للمواطن العربي بينما تحظى قناة الجزيرة بشعبية جارفة وسط المجتمعات العربية خاصة بعد الأزمة وهذا يعكس بالتالي شعبية النظام القطري مقارنة بالنظام في المملكة.
تاسعا: قضية تسييس الحج طرحت هذا العام بعد الحصار بشكل لم يحصل من قبل وتنادت المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان بضرورة إبعاد الدين عن السياسة. وهذا مدخل خطير وستظل عيون العالم مسلطة عليه دائما خاصة أن إيران كانت ولاتزال تطالب ان تتنازل السعودية عن إدارة الحج إلى لجنة إسلامية حيث كيف يجتمع الملايين ليدعوا لملك السعودية في موقف رباني لا علاقة له بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد.
عاشرا: التغير الواسع والجذري والمفاجئ في نفس الوقت في الأجهزة الأمنية في المملكة يشير إلى دخولها في منعطف وجود معارضة معتبرة يُحسب لها وأن هناك تصدعا واضحا داخل العائلة الحاكمة والقوى الفاعلة في المجتمع.
أحد عشر: اللجوء إلى تحريك القبلية والقبائل دعوة تحمل ضررا للسعودية قبل غيرها، فهي صاحبة أضعف المؤشرات الحيوية البشرية مقارنة بقطر أو بالكويت، بطالة وأجور متدنية وآلاف من السعوديين لا يمتلكون مسكنا خاصا بهم وهذا لا تجده في قطر أبدا، مما يجعلها تيارا جاذبا ولو تركوا للسعوديين خيارا لالتحق بدولة قطر الكثير منهم ولايزال بعضهم لا يريد مغادرة عمله وسكنه في قطر رغم التهديد، فالرهان على القبائل خاسر وهو دليل إفلاس واضح.
إثنا عشر: حالة التعطش لدى بعض القوى العالمية مثل روسيا، والاقليمية مثل إيران، تنتظر الفرصة السانحة للتدخل في المنطقة، وسوء حسابات السعودية تكاد تحقق لهم ذلك يوما بعد آخر، كل ذلك نتيجة تصاعد الوضع الداخلي بشكل سلبي، وكذلك التراجع الأميركي الواضح في عهد أوباما، واليوم التذبذب الواضح في عصر ترامب يدعو السعودية للعودة إلى الداخل وليس للاستمرار في تصدير الأزمات إلى الخارج حيث انقلبت الموازيين عن السابق.
ثلاثة عشر: النظام السعودي يعيش مجموعة من التناقضات فهو أكبر مصدر للنفط الخام في العالم وموقع لأقدس الاماكن الإسلامية ويمتلك أحدث الأسلحة المتطورة إلا أنه مغمور فيما يتعلق بالحريات والمساواة وحقوق الإنسان هذه التناقضات من المستحيل أن تستمر دون أن تحدث انفجارا سواء في الداخل أو في الخارج وكلا الخيارين أحلاهما مُرُ
أربعة عشر: لم تستخدم السعودية ثروتها النفطية في خدمة القضايا العربية إلا في حرب أكتوبر73 أيام الملك فيصل الذي وضع المبدأ فوق السياسة وجمع بين العروبة والإسلام وغير ذلك كانت تستخدمها الإدارة الأميركية لاضعاف الدول العربية التي كانت تسعى لامتلاك قرارها مثل العراق ومصر في السابق وذلك من خلال إغراق السوق النفطية بالنفط لكي تنخفض الأسعار وتتأثر دول نفطية عربية أخرى تمتلك مشروعا كالعراق كما أشرت.
خمسة عشر: أرجو أن يستيقظ النظام في السعودية لأنه من مصلحتنا جميعا أن تبقى المملكة حصنا حصينا، عليها أن تعود إلى الداخل لا أن تهرب إلى الخارج، عليها أن تعالج مشاكل المجتمع السعودي وهي أغنى دولة في العالم، فالمؤشرات الاقتصادية العالمية عن الاقتصاد السعودية تكشف عن مخاوف طويلة الأمد في ظل ارتفاع نفقات الأسرة المالكة وتراجع مؤشرات التنمية البشرية وتآكل الشعبية التي يحتاجها كل نظام لكي يستمر.
بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر