كتاب وأراء

الفرق بين «النقد» و«البنك» الدوليين

كثيرا ما يخلط الطلاب الذين يدرسون الاقتصاد أو الإدارة أو التجارة في الولايات المتحدة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في سنوات دراساتهم الأولى (مرحلة البكالوريوس) فهم يطلقون لفظ البنك الدولي حينما يكون الموضوع متعلقا بصندوق النقد والعكس صحيح. ولكني في الحقيقة فوجئت مؤخرا وفي أكثر من بلد عربي أن هذا الخلط موجود بين الباحثين العرب على مستوى الماجستير وحتى على مستوى الدكتوراه.
بل أن هناك اغلبية من الصحفيين المختصين بالقضايا الاقتصادية ويكتبون عنها ليس لديهم أية فكرة عن ماهية ووظائف المؤسستين والأقلية منهم هي التي لديها فكرة ولكن غير واضحة عن الفرق بين المؤسستين. ومن هنا رأيت الحاجة إلى كتابة في هذا الموضوع.
يعتبر كل من الصندوق والبنك من مؤسسات منظومة الأمم المتحدة. ولقد تم انشاؤهما ابان انتهاء الحرب العالمية الثانية في مؤتمر دولي عقد في «بريتون وودز» بولاية نيو هامشاير، شمال شرق الولايات المتحدة الأميركية في يوليو 1944. وكان الهدف الحقيقي من المؤتمر اعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية الدولية في إطار جديد يعكس الوضع السياسي ومكاسب الدول المنتصرة بعد الحرب. أما الهدف المعلن فهو تعزيز أواصر التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بين دول العالم مما يؤدي إلى خلق اقتصاد عالمي مستقر ومزدهر.
ويجدر الذكر أن هناك فرقا في عدد المنظمات التي يتكون منها كل من المؤسستين. فبينما صندوق النقد هو وحدة قائمة بذاتها الا أن البنك الدولي يتكون من منظمتين هما: البنك الدولي للإنشاء والتعمير (وهو الذي يقوم بإقراض حكومات البلدان المنخفضة الدخل) بالإضافة إلى الوكالة الدولية للتنمية (وهي التي تقدم قروضا حسنة بدون فوائد -تسمى الائتمانيات أو المنح لحكومات أفقر البلدان). أي أن ما نطلق عليه البنك الدولي يتكون في الحقيقة من البنك الدولي للإنشاء والتعمير زائد الوكالة الدولية للتنمية.
أما ما يطلق عليه «مجموعة البنك الدولي» فهي تتكون من البنك الدولي أعلاه بالإضافة إلى ثلاثة منظمات أخرى لكل منها دور محدد كالتالي:
1 - مؤسسة التمويل الدولية (وهي أكبر مؤسسة إنمائية عالمية تركز حصرا على تنمية القطاع الخاص. وتعلن أن هدفها تحقيق النمو المستدام من خلال تمويل الاستثمار وتعبئة رأس المال في الأسواق المالية العالمية وتقديم الخدمات الاستشارية للشركات).
2 - الوكالة الدولية لضمان الاستثمار (وأنشئت هذه الوكالة في عام 1988 لتشجيع الاستثمار المباشر الأجنبي في البلدان النامية. وتنفذ الوكالة هذا الهدف عن طريق تقديم التأمين ضد المخاطر الاقتصادية والسياسية. أي انها تقدم ضمانات للمستثمرين والمقرضين.
3 - المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ويوفر المركز تسهيلات دولية للتوفيق والتحكيم في المنازعات المتعلقة بالاستثمار بين الدول). وهكذا يتضح أن البنك الدولي ومجموعته هو الأكبر حجما والأكثر أنشطة من صندوق النقد كما يتضح من الفرق بين الأدوار التي يلعبها كلاهما على الساحة العالمية.
بصورة عامة يتركز دور صندوق النقد الدولي على قضايا الاقتصاد الكلي والسياسات النقدية والمالية للبلاد الأعضاء أما البنك الدولي فهو يركز على التنمية الاقتصادية الطويلة الأجل والحد من الفقر. وهكذا يشجع صندوق النقد الدولي التعاون النقدي العالمي ويقدم المشورة في مجال دعم وتنمية القدرات المحلية من أجل مساعدة البلدان الأعضاء على بناء اقتصاديات قوية. ولعل أهم وأشهر دور يقوم به الصندوق هو تقديم قروض للبلدان المتعثرة والتي تعاني اختلالات في ميزانياتها العامة وميزانها التجاري وكذلك يساعد الصندوق هذه الدول على وضع برامج وسياسات مالية ونقدية لحل مشاكل الاقتصاد الكلي وبخاصة ميزان المدفوعات عندما لا تتمكن هذه الدول من الحصول على تمويل كاف بشروط ميسورة لتغطية صافي مدفوعاتها الدولية. قروض صندوق النقد الدولي عادة قصيرة أو متوسطة الأجل وتمول من خلال مجموعة من مساهمات الحصص التي يقدمها أعضائها.
في المقالات القادمة سنعرض لدور البنك الدولي وكيف تغير بتغير الظروف والأوضاع العالمية وسنقوم بمقارنته بدور الصندوق كما سنتحدث عن ملكية البنك وملكية الصندوق ومصادر مواردهما المالية وهل تنفصل الملكية عن الإدارة؟ ولماذا هناك هجوم دائم على سياسات الاثنين في محيط الدول الأقل نموا؟
بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي