كتاب وأراء

مقتطفات صحفية 44

لا يجوز للكاتب اللجوء إلى اللغة العامية إلا للتوضيح، عندما لا يجد التعبير العربي الفصيح أو الكلمة المناسبة. قال أحد الكتاب «وضميره في جيبة سترته» المشكلة أن هذا الكاتب شاعر وأديب وناقد بالإضافة إلى عمله الصحفي. في قوله هذا كلمتان عاميتان «جيبة وسترة» ولو أنه وضع الجملة بين قوسين إشارة إلى عاميتهما لتساهلنا معه، لكنه جاء بهما في سياق المقال كأنهما كلمتان فصيحتان كأي كلمة أخرى.
«الجيب» حديثاً كما عرفه مجمع اللغة العربية في القاهرة: ما توضع فيه الدراهم ونحوها، ونزيد أنه قد يكون ظاهراً، وقد يكون مستتراً تحت الثوب أو القميص وله فتحة في الأعلى. ولكنه في الأصل الفتحة التي في أعلى القميص يدخل منها المرء رأسه، وجمعه جيوب، ومنه قوله تعالى «وليضربْنَ بخُمُرِهنّ على جيوبهن» طبعاً لم يكن القميص ما نعنيه الآن، بل كان إلى الثوب أقرب، ولم يكن القميص مفتوحاً ويغلق بأزرار، ويقال: جـِبْت القميص، أي جعلت له جيباً. لكن أحداً لم يؤنث الجيب إلا صاحبنا فقال «جيبة سترته».
أما «السترة» فاصطلاح في بعض البلدان العربية (ومنها فلسطين) ونعني بها الجزء من الثياب الذي نسميه في بلدان أخرى «جاكيت» وقد اقترح بعضهم (ومنهم مجمع اللغة العربية في القاهرة) أن نسميها «السُترة» لأنها تستر الجزء الأعلى من الجسم، وقال بعضهم: بل هي الرداء، وفي لسان العرب: الرداء يستر الجزء الأعلى من الجسم فوق الإزار، وإذا كان لي أن أقترح فإنني أقترح تعريب الكلمة، أي منحها الجنسية العربية وإدخالها في المعجم، وهذه طريقة معروفة في اشتقاق الألفاظ الجديدة، والقرآن الكريم نفسه مليء بألفاظ فارسية ورومية وغيرها.
كاتب آخر ظن نفسه الأصمعي فاخترع اشتقاقاً جديداً لم يسبقه أحد إليه، لكنه لم يُوفق حين قال «كان الشاب مهجوساً بالتطبيقات» ولعله أراد القول «مهووساً» فاستبشع الكلمة كصفة يطلقها على الشاب وهو يريد مدحه، لأن «الهوَس» طرف من الجنون، أو القول «مسكوناً» بالرغبة، فخاف من كلمة «مسكون» لأنها توحي بمن تلبّسه الجن، فلجأ إلى هذا الاختراع. والهاجس: الخاطر، والهجْس: ما وقع في خلـَدك، وفي الحديث الشريف «ما يهجـِس في الضمائر» أي: ما يخطر بها ويدور فيها من الأحاديث والأفكار، ولا وجود لاسم المفعول «مهجوس» يقوم مقام الفاعل، ولكننا نجد: وقعوا في مهجوسة من أمرهم، أي: اختلاط. كل هذا لا يبرر ولا يفسر اختراع هذه الكلمة، وكان له أن يقول: كان مشغولاً بكذا.
قرأت مرة مقالة لكاتبة لبنانية أوردت فيها مقطعاً من النص الذي كان مدار مسابقة الإملاء في لبنان في يوم اللغة العربية في ديسمبر 2016، وبحثت مطولاً عن النص حتى وجدته، ولولا الخوف من الإطالة لأثبته هنا كاملاً، لكنني أقتطف منه:
«هو واحدٌ لبنانُ. لمَّا مِن لَمى الصُّبحِ اسمَهُ لمَّ لمّة، ما وَنى، وعلى حروفِه تَحَانَّ.
وهُم ثلاثةَ عشرَ رؤساؤُنا، تبوّأُوا ( تبوَّؤوا) الكرسيَّ فاتّأدوا أُحادَ اتِّئادَ حكماءَ، وإلى الحقِّ أوَوا ونوَوُا الوئامَ لدرءِ الطغوى والإبة.
فاروِ يا أخَا المواطنَةِ سمْعَك تاريخًا هَيِيئاً، ما أصابَهُ بَكءٌ إلى آنِنا، وإنْ يتشظَّ من الطامَّة» ويستعرض النص رؤساء لبنان من بشارة الخوري «عُقَيْبَى الاستقلالِ طادَ بِشارةُ العلمَ علامَة» إلى كميل شمعون «فسَوَّى للسِّياسةِ جسوراً، ونادَى شمعونُ من بعلبكَّ العالمَ بشدوِ فيروزَ آهَها آهاً» إلى فؤاد شهاب الذي «أسَّ المؤسّساتِ وأُضِيءَ الجيشُ شُهُبًا قبلمَا التّمَرمُرُ سَرى في عهدِه فَهَّةً» إلى شارل الحلو، إلى سليمان فرنجية الذي «هنِئ ولم يتفرنَجْ، بل جَهّى للأُخُوّةِ قبلَ المكانِ المكانَة، وزيّا وطني بالزُّها ( الزُّهى) لحظةَ تُوِّجَتِ ابنةُ رزقٍ مليكةً» إلى إلياس سركيس الذي «شعشَعَتْ سياسةُ اقتصادِه ذهَبًا، ولمّا تُنهِ المَساءَةَ، وإن نهى عنها «ثم بشير الجميّل فأخيه أمين الذي «آلى على نفسِه عهدًا إِلًى، وما ألا جُهدًا كي يؤولَ إلى اللالَوْلاءِ» ثم رينيه معوّض، فإلياس الهْراوي «رمَّ الثانيةَ بالكلمةِ الفصلِ وبالهِراوة خَبطاً» ثم إميل لحود فميشيل سليمان «وغَداتئذٍ واصَى السّاسةَ بالحوارِ، ومن يَشإ الحوارَ هُدًى يجنِ للبنانَ إعلاناً، ومُذ غادرَ القصرَ بأمانةٍ، طالَ ما سُمِّيَ فراغًا، لَطالما خِلناهُ علينا رأّاساً (رءّاساً- رآّساً)، لكنّ بيتَ الشعبِ ما مسَا وعدًا هِنّا، فامتشقَ العمادُ عونٌ الرّئاسةَ فخامةً.
و إذ ما يَبرِ الباري الجِنانَ لك يا وطني تَباهَ وبارِ نظراءَك، وبيّي يا جبالُ، لبنانَ، رئيساً أبّدَ، وما كدَّى الزمنَ ولا تَوَطّى، وإِي الشعبَ الأمانَ.
هل يمتحنون الناس في «الإملاء»؟ أم يصعقونهم بشحنة من كراهية اللغة العربية؟ وهل يظنون أنهم يمتحنون أعضاء مجامع اللغة العربية وأساتذة النحو في الجامعات؟ وأكاد أقسم إنهم لو امتحنوا هؤلاء لأخطؤوا. هذا أبشع أنواع التقعر، وهو كفيل بإبعاد الناس عن اللغة العربية سنوات ضوئية. دعوت كثيراً إلى إجراء مثل هذه المسابقات، ولكنني لم أتصور أن تكون على هذا النحو، وأين؟! في لبنان بلد العامية والتفرنس والتفرنج و»الـلـَّغة التيلتة» (الثالثة) و«الـلـَّغة البيضا».
ذات مداعبات أشرت إلى أحد الكتاب بصفة «الكاتب الذي يتباهى بالخطأ» لأنه كان ينشر مقالاته وقد ضبط الكلمات بالحركات «التشكيل» ليس في العنوان فقط، وإنما في متن المقال أيضاً. والآن وجدت كاتباً آخر في إحدى الصحف الأردنية يتباهى كصاحبنا الأول بالخطأ، ففي عنوان مقالته «هل تصبح منبج مقبرة الحلم التركي» أصر على ضبط منبج بالحركات هكذا «مِنبج» ولا أدري كيف سـولت له نفسـه هذا الخطأ، فهي حيثما ذكرت في كتب التراث «مَنبج» بفتح الميم، وهو مدينة البحتري وعمر أبو ريشة، قال أبو فراس الحمْداني وكان أمير منبج:
أوطـنتـها زمـن الصبـا وجعلت مَنبج لي محلا
بل إنها وردت في شعر الأخطل وكـُثيـِّر عزة في القرن الأول الهجري، قال كثير:
إلى أهـل أجنـادينَ من أرض مَنـْبجٍ
على الهوْلِ إذ ضَفْـرُ القوى مُتلاحمُ
وقال الأخطل:
وإنّا لمَـمْدودونَ ما بينَ مَـنْبـِجٍ فغافِ عُمانٍ، فالحمى ليَ أفْيَحُ
وعلى ذكر منبج كتب عما يجري فيها أحد الذين يسمونهم «محللين سـياسيـين» فقال: «مدينة منبج توصف بأنها مدينة الشعراء فقد ولد فيها الشاعر عمر أبو ريشة عام 1910، كما أقام فيها الشاعر الأموي البحتري» أما أبو ريشة فثمة خلاف حول سنة ميلاده، وقد صرح مرة بأنه لا يعرف هـذه السـنة بالتحديد، وأما البحتري فقد ولد عام 206هـ / 821م، وتوفي عام 284هـ / 897م، أي إنه مـن العـصر العباسـي الثاني، وقـد انـتهى العـصر الأمـوي سـنـة 132هـ، فكيف صار البحتري أموياً؟
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي سخرية من نائب رئيس إحدى الدول، حين هنأ شعبه برسالة من 12 كلمة فيها أربعة أخطاء نحوية وإملائية «أهنئكم بعيد الأضحى المجيد جعلة الله يوم خيراً وفتحاً ونصر لنا جميعاً» إذا كان رب البيت بالدف ضارباً.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين