كتاب وأراء

قررت أن لا أنسى

كتبت أنامل الأديب والصحفي الراحل «رجاء النقاش» كلمات لم يتسن له أن يراها مطبوعة. في كتاب نشر بعد موته: أن من أخطر الأمور على الحياة كلها أن يتعود الإنسان على كل ما هو شاذ واستثنائي، فيصبح الشذوذ والاستثناء بالتكرار المستمر شيئا عاديا لا خطر منه ولا ضرر فيه. وضرب مثلا لمستشرق مهتم بدراسة الشخصية المصرية. هذا المستشرق خطر على باله ان يقوم بتجربة لدراسة السلوك وردود أفعال العرب، فقام بوضع حجر كبير في مدخل حارة من حواري القاهرة القديمة. وأخذ يراقب ردود فعل سكان الحارة دون أن يشعر به أحد. فوجد ان السكان كانوا في البداية يتوقفون قليلا أمام الحجر. وبعد هذه الوقفة العابرة يقفزون فوقه أو يلتفون حوله ويواصلون طريقهم. ومع مرور الوقت أصبح هذا الحجر جزءا من الحارة.
لم يسأل احد من أين جاء ولم يفكر احد بإزالته من الطريق. كان الحل هو التعود على وجوده. والقفز من فوقه عند الدخول والخروج. ولعل هذا الحجر ما زال موجودا رغم مرور عشرات السنين.
وضرب الراحل مثالا آخر لتعود شعوبنا على كل ما هو شاذ واستثنائي مع مرور الوقت بما يحدث في فلسطين. في البداية كان الانفعال شديدا كلما سقط شهيد وكلما اغتصب حق وقطعة ارض من أشقائنا. وكانت هناك مساعدات ومحاولات ومظاهرات وغضب واستنكار. وفيما بعد أصبح ما يجري حادثا يوميا متكررا. وهدأ الانفعال. وخفت صوت الغضب. والعرب والمسلمون ينسون لكن اليهود لا ينسون. ولا يسمحون للأجيال الجديدة ان تنسى. فكل يوم يرددون حكاية اضطهاد هتلر لهم. وانه قتل ستة ملايين منهم. يرددونها بمختلف الطرق وبكل الوسائل الإعلامية الممكنة. وهتلر لم يضطهد اليهود وحدهم ولكنه اضطهد كل من عارضه من شعبه، وقتل من الغجر عددا يساوي عدد اليهود، ومع ذلك لا يعرف العالم عنهم شيئا لانهم مثلنا ينسون، كما أجبر العلماء والفنانين ورجال الأعمال على الهرب والهجرة خوفا من بطشه. واضطهد الفرنسيين والبولنديين والروس. وكانت حصيلة ذلك موت خمسين مليونا من البشر في الحرب العالمية الثانية. كان منهم عشرون مليون روسي. عشرات الملايين الذين تم قتلهم في هذه الحرب أصبحوا نسيا منسيا.. الا اليهود، الذين حصلوا على مليارات التعويضات من ألمانيا وادعوا دون ان يجرؤ أحد على تكذيبهم أو دحض ادعائهم أن لهم أرصدة في البنوك السويسرية ضاعت إيصالاتها بسبب الحروب والاضطهاد الذي تعرضوا له، ولم تقاوم سويسرا الضغوط الدولية من أميركا وأوروبا ودفعت ما طلبوه أو المبالغ التي حددوها على مضض.
ذاكرة اليهود مثل ذاكرة الأفيال قوية ولا تنسى ابسط الأشياء حتى التي لم تحدث. وذاكرة العرب يغلب عليها التسامح والنسيان فيما يخص الأغراب. إما حين يتعلق الأمر بأبناء الوطن واللغة فلا تسامح ولا نسيان!

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري