كتاب وأراء

الخريطة الإقليمية الدولية وزيارة الشيخ صباح الأميركية

جاء الإعلان عن زيارة الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت والوسيط المركزي لحل أزمة الخليج العربي، إلى العاصمة الأميركية واللقاء بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد العيد، متزامناً مع الموقف الجديد الذي أعلنه ترامب، في 30 من أغسطس المنصرم، والوقوف عند مفردات التصريح الذي أعقب الاتصال بالعاهل السعودي الملك سلمان، مسألة دقيقة لفهم هذا السياق.
فلغة التصريح الأخير لترامب، ومباشرته الدعوة الجازمة بإنهاء الأزمة الخليجية، كان واضحاً، وهو ما يؤشّر إلى اقتران موقف الرئيس الأميركي الذي لايزال يعاني من فقدان مهنية أصلية لتولي الشأن السيادي والقيادة الوطنية للولايات المتحدة الأميركية، واتفاقه مع فريقه الدبلوماسي بقيادة تيلرسون.
وهذا لا يُلغي الخلافات بين ترامب ورئيس دبلوماسيته، ولكنه يؤشّر إلى أن ترامب بالفعل بات متضجراً من تأثير تمسّك دول المحور، بدعمه لهم في قرار الاجتياح، أو ما يُبنى عليه اليوم سياسياً، بإعلان دعم تمرد سياسي يُسقط الحكم في أمارة قطر، ضد إرادة الشعب وسلمه الأهلي.
وربط ترامب باتفاق الرياض، يُحال عليه الإعلان الرسمي لواشنطن بشأن التزام الدوحة بخطة مكافحة الإرهاب حسب المتطلب الأميركي، في وضع الحسابات المالية تحت مراقبة هذه التوافقات، إثر التحريض الذي مارسه المحور ضد دولة قطر، بمعنى أنه أميركيا لم يعد هناك مطلب خاص لواشنطن، أو أي حجة تدويل لحصار قطر، الذي انهارت كل صور تدويله.
وأصبح العالم ينظر لأزمة الخليج العربي، بأنها صراع سياسي بين دول المحور وقطر، قادته إمارة أبو ظبي أيدلوجيا وسياسيا، لقوة تأثير مشروعها الذي عملت عليه منذ زمن في اختراق البنية السياسية والإعلامية للمملكة، حتى انتهى إلى ما انتهى إليه، ثم ورّط المنبر الديني السلفي واستُدعيت الجاهلية التي نبذتها القبائل العربية في الإسلام، لتكون مركزاً للخطاب السياسي التحريضي.
هذه النزعات والصراعات التفتيتية وردّتها عن قيم الإسلام والتقدم الإنساني، فضلا عن روابط العروبة والمنظومة الاجتماعية للخليج العربي، لم تعد بالطبع مقنعة لأي طرف دولي ولا إقليمي، وعليه فإن الموقف الدولي اليوم بحكم انسحابه من حفلة التدويل لمواجهة قطر، سيبدأ بالتعاطي مع تأثيرات الحصار والقطيعة التي تتعزّز على إنسان الخليج العربي، وتعصف بروابط الرحم الاجتماعية، وإن لم يتحمس لها كثيراً، وإنما الدافع المركزي سيبقى مصالح العالم الغربي، وتأثيرات الأزمة الخليجية على جدول حراكه.
ويجب أن نضع في الصورة، حجم تأثير الأزمة في قضية الكارثة التي تزداد يوما بعد يوم، فتُفتح مسارات استخدام القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، في أعمال قصف إرهابية لآلاف الضحايا المدنيين، وليس مواجهةً لتنظيمات داعش الإرهابية فقط.
وهو ما كان بالإمكان تحييد معادلته، حين رجونا أن يقوم محور في الشرق يضبط الصراع سياسياً مع إيران، ويرفض جدولة الأهداف الغربية العنصرية وضحاياها المدنيين، وهو المحور الذي انهارت فرص تأسيسه كليا، بين المشرق العربي والقسم العجمي للشرق الكبير.
هذا الانهيار كان نتيجة مغامرات فادحة التكلفة، بدأت من استخدام الطائفية ضد المدنيين الشيعة، لتعزيز الولاء السياسي وتعويض العجز عن مواجهة طَائفيّة وتَوسّع المشروع الإيراني، حتى ورّط المشرق العربي وخاصة سوريا والعراق بلهيبها.
في ذات الوقت الذي تعزّزت فيه فرص الإيرانيين وشراكتهم الحيوية مع الغرب والروس، كل في مساره، وخسرت تركيا بأخطاء ذاتية مباشرة، وبتخلي عربي عنها وتحريض على حكومة العدالة ففاتت فرصة التواجد في مركز هذا المحور.
وصولا إلى تغيير معادلة حرب اليمن من إعادة الشرعية ودعم شركائها، ثم التحول لحل سياسي وطني لا مذهبي ولا عنصري، يقوده اليمنيون بوساطة توافقية، فأصبحنا اليوم على حرب تقسيم اليمن ونقل سيادة الجنوب لأبو ظبي، وإشعال حرب شمالية أخرى، بحسابات تحتاج إلى تصفية هادي سياسياً، وقَبْر مصطلح الشرعية من حلفائها، للتهيئة للبديل الجديد، الذي لا يضمن سلماً ولا استقراراً ولا تعايشا لأي يمني.
ويُذكَر هنا دور الغباء الحوثي، لرفض التصالح مع الشرعية بوساطة قبلية، والمراهنة على حرب مع المؤتمر ثم الإصلاح، لقيام الدولة العقائدية على حساب الدماء البريئة واستقلال الإنسانية اليمنية.
هنا نعود لجدولة الحسابات الأميركية التي تسبق زيارة الشيخ صباح، فالتقدم الروسي اليوم مع الصين، بات أيضاً يُثير مخاوف واشنطن، واستعانة باكستان بتركيا وإيران، وعدم التعويل على أي طرف عربي محسوب على واشنطن، بعد تهديد ترامب غير المسبوق لإسلام آباد، أصبح فرصة لتعاون إقليمي دولي جديد في المنطقة، لكن خارج إدارة الانجلوساكسون في معاقلها الاستعمارية التاريخية.
ورغم أن هناك انحيازا أميركيا قديما، ضد باكستان، ساهم فيه الاضطراب السياسي ولعبة أفغانستان القذرة، التي كان السلم فيها مصلحة استراتيجية لباكستان وأفغانستان معاً، لكن هيمنة مصالح شخصيات نفعية من الجيش ضد الإرادة المدنية للشعب الباكستاني، لم تخلق أمناً ولا قوة ولا سلاما لمحيطها، من قبل برويز مشرف ومن بعده.
وبالتالي استمرت مواسم مراهنة هؤلاء الضباط، من الجيش الباكستاني المتشرب بروحه الإسلامية التي تقلق الغرب، على حساب الدولة المدنية القوية التي كان من الممكن صناعتها ويحميها جيشها، كم فعلت الهند بديمقراطيتها المتميزة، رغم التعصب الهندوسي في ثقافتها، ولكن تمسّك هؤلاء الضباط بالدور الأميركي الوظيفي، انتهى إلى هذا المشهد التهديدي لباكستان.
وننوه هنا بأننا كنّا ولا نزال، نسعى فكريا عبر منبر الشرق الحضاري، لمصالح شراكة قيمية ومادية تجمعنا مع الأمة الهندية، لا محاور صراع دموية.
في كل الأحوال فإن موقف الدبلوماسية الأميركية، قلقٌ أيضا من هذه الرسائل التي يستثمرها التحالف الصيني الروسي، وقاعدته الإقليمية إيران، وإن شاركت واشنطن طهران الهدف المشترك في سوريا، لإعادة تأهيل الأسد بعد تصفية الثورة، وليس جماعات السلفية الجهادية وحسب، وهي الجماعات التي خدمت المشروع الدولي، لإسقاط الثورة وحلم حرية الشعب السوري.
وأمام حسابات واشنطن وفوضى ترامب، يعود الموقف الإقليمي بين أنقرة وإسلام آباد وطهران، للتشكل من جديد، بعد إدراك كل هذه العواصم، فوضى الوضع العربي، المهتم بخطاب التحريض بين بيته الخليجي، وسحق أي فرصة لاستقرار شعوب الربيع العربي والخروج من الصراع.
في حين يتعزز دور طهران التي تَسخَر من التصعيد الإعلامي المضحك عليها، وهي تستقبل الجسور السياسية الممتدة لها، ثم تعيد توظيفها لمصلحتها، ويبدو أن ما سماه ترايلسون بموقف المؤسسات الأميركية يزداد قلقه.
وبالتالي مسألة تحييد الخسائر الأميركية المحتملة بعد التشكل الإقليمي الجديد، عزز حسم ترامب لموقفه الأخير، وسحب أي احتجاج من دول المحور بتأييده خطة إسقاط الحكم في قطر، التي تعلن رسميا اليوم لكن بنموذج سياسي بعد فشل الاجتياح، وبالتالي يسحب ترامب موقفه القديم من التداول السياسي، وهي خطة تهديد لن تحقق ما عجز عنه التهديد الأول، فقضية ثبات الحكم في قطر وولاء القاعدة الشعبية له، ليست في متناول أي قوة خارجية.
لكن كما يقال فإن الدخول إلى البئر ليس كالخروج منه والمقصود هنا ترامب شخصياً، خاصة في ظل فراغ سياسي وعبثية تعيشها المنطقة، وهنا ستكون مهمة الشيخ صباح المتوقعة، وضع تصور عملي لإخراج دول المحور من موقفها المتطرف، بتدخل أميركي مباشر، اعتمدته دول المحور ذاتها في قرار نكسة حزيران الخليجية.
هذا المدخل سيُساعد الشيخ صباح الأحمد، لتهيئة الظرف لحوارات تنتهي بإعلان وقف التصعيد، وفك الاشتباك في أزمة الخليج العربي، الذي سيكون على موعد مع تموضع سياسي، واستراتيجي إقليمي ودولي جديد، بعد أن فقد الكثير من مناعته العربية بعد نكسة حزيران الكارثية.
بقلم : مهنا الحبيل

مهنا الحبيل