كتاب وأراء

«بحار المعاني» (1)


زمناً أمضيت في تأمل المعاني لكتابة هذا المقال الذي أراه مبحثاً رحباً وأدعو باحثي اللغة في التبحر فيه، وللحق فإن محاولة اختصاره في مقال محدد بمساحة ضيقة لهو إجحاف شديد.
وهو يتعلق بتأثير البيئة والمكان على انتقاء المفردات.
ففي أرياف مصر يشبهون الفتاة ممشوقة القد بالنبات فيقولون «عودها حلو» أما المدنيون فيصفونها «بالرفيعة» والفصحاء «بالرشيقة» لتشبيه الجسم الجميل بسهم يرشق القلب فيه، بينما يصفها آخرون «بالمأددة» أي المقددة، الضعيفة كلحم القديد.
في حين يصفها اهل الشام بالـ«ضعيفة» لهزال جسدها.. أما أهل المدن المصرية فيصفنها «خاسة» ومصدرها الخِسّة، أي القلة ويقال خس الشيء أي قل وزنه.
والممتلئة، ينعتها الشوام بـ«ناصحة أو السمينة» أي خبيرة باختيار قطع الضأن ولا يملأ بطنها البقل الرخيص.
في حين يصفها المصريون بـ«التخينة» أي المتخمة التي تطعم حتى التخمة.
أما الخليجيون فينعتونها «بالمتينة» اسم فعيل للمبالغة في المتن أي متنها ضخم.. ويصفها السواحلية «بالمبطرخة» أي السمكة الحبلى.
وثمة علاقة بين المعادن والتوصيف، فقد تصف الفصحى إنساناً بثقل الظل أما العوام فيمعنون في تشبيهه بالمعادن فيطلقون على الثقيل «رخم»، «بلط» أو «تمبل» والأولى تعني أنه بثقل الرخام والثاني بثقل البلاط ثابت والأخير معرب من المصطلح اللاتيني TEMPLE أي إنه بثقل الهيكل.
وقد وصفت شارلوت برونتي في روايتها «جين اير» الأمطار THE RAIN BEATING وأعجبتني الترجمة العربية «كانت الأمطار تصطدم» فالتصادم أقوى أقوى من الضرب. بينما تفوق المصطلح الإنجليزي THE WIND WAS CRYING عن الترجمة العربية كانت الرياح تصطدم.
وكان حري بالمترجم استبدال اصطدم ب بلفظ صفير أو صرير الريح.
ولسان العرب يصف الإنسان أما بطيب أو قاسي القلب في حين يستخدم العوام الألوان للوصف.
فيصف الفلاحون الحقود «بالأصفراوي» والشرير «عينه حمرا» أي انه يعربد بالليل ويمعن في السهر والخمر حتى تحمر عينيه، فيستطير الشر منهما.. أما الطيب فينعتونه بأبيض القلب أو روحه شفافة والشرير قلبه أسود، كما يصف المصريون الدنيء «بأخلاقه نيلة» وهو لون قاتم الزرقة.. كما يدعو الفلاحون بالنماء فيقولون «سنة خضراء» أو يدعون على أعدائهم بأن تكون سنة سودة!
أما أساليب التعجب فتميل للاختصار:
فأهل الخليج يتعجبون «بباه» والمصريون «بياه» والريفيون «بيوه» والإسكندرانية «بايووه» وقلما يستخدم فصحاء العرب «بخ بخ».
وكذا يختصر أهل الغرب في التعجب فيقول الإنجليز
OH، والإسبان «OLA»، والفرنسيون O LA LA والأميركان OOPS.
وتعجبني طريقة الفرنسيين في وصف الشخص المتدين، ففي حين ترادف كلمة متدين كلمة RELIGIEUX.
إلا أن الوصف العربي للشخص الشديد التدين هو الملتزم في حين يصفه الفرنسيين بأنه ممارس PRATICANT أي انه يمارس الدين فعلا لا قولا.
ويتفوق الشوام بمفردة الناعورة على «الساقية» التي يستخدمها سائر العرب، فلفظ الناعورة يصف أنين صوت المياه لدى مغادرتها للنهر لتذهب لأداء مهمتها في سقيا الأرض.
وتتبارى الشعوب في تعبيرها عن الشكر والتفضل، فالبعض يكتفي بـ شكراً وآخرون يصفون المفضل بقولهم: «فلان يمون علي» أي له سواعد مَنّ وأيادي بيضاء ما يجعلهم يستحون رد أي طلب له.
و«تقبرني» مصطلح شامي أعمق من الشكر، أي أن أفضاله تجعلك تتمنى أن تموت قبله وأن يدفنه صاحب المنة عليك وهي دعوة بطول العمر.. ويعبر عنها الخليجيون بـ«طال عمرك».
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي