كتاب وأراء

القوة الناعمة

ظهر في عهد نابليون فنان موهوب يدعى «تالما» أشاد بموهبته الجميع وتمنوا على الامبراطور أن يهديه وسام جوقة الشرف «اللجيون دينور» وهو من أرفع الأوسمة التي تهدى لمن قدم شيئا للوطن، لكن نابليون كان يرفض ان يمنحه هذا الشرف ويبرر رفضه بقوله: «تالما أعظم ممثل عرفه التاريخ، وهو صديقي، وكان يهديني تذاكر مجانية لحضور مسرحياته عندما كنت ضابطا فقيرا ومعدما.. وأعتقد أن الايام لن تأتي بممثل نابغة مثله، ولكن هذا الوسام أنشئ لمكافأة الابطال في ميادين الحياة لا لمكافأة من يمثلون البطولة المزيفة على المسرح».
وظل الممثل حاقدا عليه طوال حياته.. ويقال إن نابليون قبل وفاته في جزيرة سانت هيلين، أبدى أسفه لحرمانه رجلا أسعد مواطنيه وأمتعهم سنوات وسنوات ولم يكن يطلب سوى التقدير، وقال لمن حوله: «لو عادت الأيام وعدت ملكا لما ترددت عن تعليق الوسام على صدر هذا الفنان العظيم، لقد كنت مخطئا ومقصرا معه، وقد أظهر «تالما» انه يعرف البطولة أكثر مني، وأنه جدير بأن يتقلد أعظم الاوسمة شأنا».
ثم تغيرت الأمور وبدأ رجال الحكومات انفسهم يسعون لمنح الممثلين الاوسمة والنياشين، ولكن ليس بصفتهم كممثلين، وانما تحت مسمى أساتذة للفنون وخبراء ونقاد ومساهمين في النهضة الفنية، وهكذا ظلوا يعانون من الاحتقار وصغر الشأن، حتى ظهرت على الساحة الفنية الممثلة القديرة «سارة برنار» التي سحرت الكبار والصغار وقيل عنها انها أعظم ممثلة في العالم كله، وعزمت الحكومة الفرنسية على تكريمها فبعثت مندوب رئيس الجمهورية ليبلغها بالخبر السار، وبكل هدوء سألته عن الصفة التي ستنال عليها الوسام، فقال: «بصفتك استاذة التمثيل والإلقاء في معهد التمثيل الفرنسي» فردت بكبرياء: «قل لرئيس الجمهورية أنني ارفض هذا الوسام، لأنني لم أبلغ شهرتي كأستاذة التمثيل بل كممثلة لا أكثر ولا أقل.. أما التقاليد التي تتحدث عنها فليس لها قيمة في نظري، وينبغي أن تلغى تلك القيود الثقيلة التي تجعلكم موضع سخرية في أعين الناس.. وإما ان اتسلم الوسام كممثلة وإما ان يعاد الوسام إلى من اقترح تقديمه»!
وبعد هذا الرفض الصريح تمت مناقشة الأمر في مجلس الوزراء وتقرر ان يقلد رئيس الجمهورية كبيرة الممثلات وسام الشرف كممثلة.. فكان أول وسام يمنح بصفة صريحة لا لبس فيها ولا مراوغة لأحد أصحاب هذه المهنة أو هذه الهواية.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري