كتاب وأراء

ترامب .. بين جدران الخوف وتبني العنصرية

لم يسبق لرئيس أميركي أن فقد مصداقيته أمام الرأي العام العالمي والوطني الأميركي وضمن الأجهزة الأميركية كما يقع مع الرئيس الحالي ترامب. ولا يعرف في السابق أن وزير خارجية أميركي يفترض أنه ينفذ برنامج وسياسات الرئيس قد قال: ان الرئيس يمثل نفسه، وأن الخارجية ملتزمة بالقيم الاميركية وأن دور الخارجية أن تشرح للرئيس تلك القيم. ولم يسبق أن عانى رئيس أميركي من كثافة الاستقالات وسرعة تخلي الأنصار عنه كما يقع مع هذا الرئيس. إن كل قرار وقانون حاول ترامب تنفيذه واجه مقاومة كبيرة على كل المستويات. سيبقى هذا الوضع ما بقي ترامب رئيسا.
لقد استخدم ترامب الهوية والخوف من الأقليات (اللاتينيين والملونين) وبناء الجدار مع المكسيك والطائفية (ضد المسلمين) في بناء قاعدته. ومن الصعب أن يتصدر لمهمة كهذه سوى شخصية شعبوية عدائية السلوك تتصادم ولقيم والمثل الأميركية كما وتبالغ بالخوف من الآخر. لقد برز ترامب على المسرح الأميركي من جراء بحث الحزب عن قاعدة شعبية جديدة بعد تفكك قاعدته التقليدية. وقد تطورت حالة القلق في صفوف قوى النفوذ الاقتصادية خاصة في ظل نمو التيار الأميركي الساعي للحد من التفاوت الطبقي والعرقي في الولايات المتحدة. وتداخل هذ الوضع مع اللوبي الإسرائيلي وسعيه للمحافظة على سيطرته في الولايات المتحدة، هذا اللوبي أميل للتحالف مع اليمين ويميل لموضوعات العنصرية بما يتناسب مع سياسة إسرائيل. لقد توجه الحزب الجمهوري وترامب لاستخدام ورقة البيض الأميركيين والطائفيين ومناطق الريف التي لا تتقبل الآخر.
وهذا يفسر إلى حد كبير موقف ترامب من الكوتلاكس كلان والنازيين الجدد مؤخرا.
إن تناقض سياسة ترامب القائمة على التميز مع مؤسسات الدولة الاميركية الرسمية رافقه تناقضه الصارخ مع مدرسة القيم الديمقراطية الأميركية التي تحملها الطبقة الوسطى الأميركية ذات العمق الثقافي المرتبط بالحريات والاعلام والسينما والادب وحقوق الإنسان وقيم العدالة بين الناس. وقد تواجه ترامب، بطبيعة الحال، مع أطروحات أوباما حول المستقبل والبيئة والتوازن بين الفئات التي تتكون منها الولايات المتحدة وردم الهوة بين الأغنياء والفقراء. بل حاول ترامب جاهدا ولازال تصفية ارث الرئيس اوباما. لقد خسر ترامب كما لم يخسر رئيس من قبله، ففي جميع سياساته فقد القدرة على التأثير عبر بناء التحالفات والإقناع.
ترامب صاحب المواقف القائمة على الخوف من الداخل قرن بذلك بالتركيز على الخوف من الخارج مما أدى لخلق بيئة دولية أكثر تناقضا وإشتباكا مع بعضها البعض. لقد دفعت سياسة ترامب بكوريا للمواجهة وذلك بسبب عدم قدرته على استيعابها كما فعل سلفه أوباما، ويكاد ترامب أن يدفع إيران بالاتجاه المعاكس بعد أن نجح اوباما في استيعابها نسبيا عبر الإتقاف النووي. الرئيس ترامب يتصرف مع البيت الابيض وكأنه في شركة خاصة، بل يتصرف وكأنه رئيس لفئة واحدة من الاميركيين من غلاة المتعصبين. في هذا يضرب ترامب بعرض الحائط القيود التي يفرضها موقع الرئاسة. وهذا يعني بأن البيت الابيض سيبقى في مهب الريح طالما بقي ترامب رئيسا. مع الوقت سيفقد ترامب أفراد جدد من إدارته، وسيجد نفسه وحيدا في البيت الابيض بلا أدوات للتأثير، سيكون رئيسيا في النهاية بلا أسنان وصلاحيات وبلا حلفاء.
لقد أضعف ترامب الولايات المتحدة، وهذا واضح كل الوضوح في أزمة الخليج الأخيرة وحصار قطر(التي استعانت بالقاعدة التركية) كما يزداد الضعف الأميركي وضوحا في أزمة كوريا والعلاقة مع الصين ومع أوروبا ومؤتمر البيئة وقضايا الهجرة للولايات المتحدة، ويتضح إضعاف ترامب للولايات المتحدة في تعامل ترامب مع أنصاره كما ومع نقاده بنفس الوقت. إن إحياء اميركا البيضاء المتواجهة مع الأقليات والمائلة للسلوك العنصري ستفشل فشلا ذريعا، لكنها بنفس الوقت ستدفع بأميركا المؤسسات الرسمية والديمقراطية كما والشعب بتنوعه وحيوية مجتمعه لإعادة اكتشاف القيم التي جعلت من الولايات المتحدة دولة التعددية والحريات.
بقلم: شفيق ناظم الغبرا

د. شفيق ناظم الغبرا