كتاب وأراء

محمد نبي الرحمة

من أصدق الأوصاف للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنه «نبي الرحمة» وفي هذا يقول المفكر الإسلامي الراحل خالد محمد خالد، إن الله عز وجل، شاء أن يعيش الرسول الكريم يتيما وحيد.. كان أترابه يلوذون بآبائهم، لم يقل أبدا يا أبي ولكنه كان يقول دائما ياربي، وقد اختاره الله يتيما ليفجر الرحمة في نفسه، ولم تكن الرحمة عنده رد فعل ليتمه وإنما كانت رحمة الأقوياء وليست رحمة الضعفاء.
وأحاديثه صلى الله عليه وسلم تضع قاعدة إسلامية للرحمة كأساس من أسس العقيدة، فيقول: «الراحمون يرحمهم الله» ويقول «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».. من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان حتى بلغ موضعا يسمى (كراع الغميم) فصام وصام الناس، ولما رأى بعض الناس قد شق عليهم الصيام بسبب وعثاء السفر دعا بقدح من ماء ورفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب رحمة بمن شق عليهم الصوم، وعن جابر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال «ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم، فاقبلوها». وهكذا يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم الرحمة وهي من أعظم الفضائل وعلى رأسها الرحمة بالنفس.. وقد ذهب إلى بيت النبي ذات يوم نفر من الصحابة فقال أحدهم «إني أصلي الليل أبدا ولا أنام منه شيئا» وقال آخر «وأنا أصوم الدهر ولا أفطر أبدا»، وقال ثالث: «وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا»، فلما علم النبي بما قالوا قال لهم «أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
ولما بلغه أن عبدالله بن عمرو بن العاص يصوم دائما ويقوم الليل كله، قال له: «بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل، فلا تفعل، فإن لجسدك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولزوجك عليح حقا.. صم وأفطر..»
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعه على الهجرة قائلا: «يا رسول الله جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان»، فأجابه الرسول:«ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما»، وثالث قال «يا رسول الله. إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه» فقال له الرسول «هل بقي من والديك أحد» قال الرجل: نعم. فقال له الرسول: «قابل الله في برهما، فإذا فعلت فأنت حاج، ومعتمر، ومجاهد..».
هكذا كان نبي الرحمة، الرحمة بالنفس وتتم برحمة الوالدين، ثم تنتشر الرحمة حتى تشمل الأحياء جميعا من إنسان أو حيوان، يوصي المسلمين بالرحمة للضعيف وللطفل والشيخ، ويشدد على أهمية الرحمة بالطفل اليتيم، والرحمة بالحيوان حتى حين يذبح. يقول أبو ذر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا ينجي العبد من النار؟ فقال: الإيمان بالله، وأن يعطي مما رزقه الله، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعني الأخرق والظلوم، وأن يمسك أذاه عن الناس، وما من عبد مؤمن يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة». وفي حديث آخر قال إن امرأة دخلت الجنة لأنها رحمت كلبا ظمآنا وقدمت له الماء، ويدعو عليه الصلاة والسلام بالرحمة للمدين المعسر فيقول: «من يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

بقلم : رجب البنا

رجب البنا