كتاب وأراء

النقاش حول منع تزايد «الاستيطان»

منذ نشوب واحتدام الصراع العربي الصهيوني على إثر احتلال الصهاينة لأرض فلسطين العربية بدعم من الاستعمار الغربي، ولاسيما الاستعمار البريطاني، ويدور نقاش حول سبل منع تزايد الاستيطان الصهيوني عبر بناء المزيد من المستعمرات، واستطراداً الحد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ودفع المستوطنين الذين قدموا إلى فلسطين للعودة إلى البلدان التي جاؤوا منها.
وتركز النقاش بين تيارين: تيار أول يرى أن السبيل للحفاظ على ما تبقى من عروبة أرض فلسطين والحد من الاستيطان إنما يتم عبر الدخول في التسوية السياسية تحت عناوين إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأن المراهنة على المقاومة والانتفاضة لتحقيق ذلك عدا عن دحر الاحتلال عن فلسطين بنظره أمر غير واقعي وغير ممكن، انطلاقاً من أن موازين القوى تميل لمصلحة الكيان الصهيوني المدعوم من الدول الغربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية أقوى دولة في العالم.
وتيار ثانٍ: كان يرى أن طريق التسوية مع الكيان الصهيوني لن يؤدي لا إلى تحرير الأرض أو استعادة أي جزء من فلسطين، ولا إلى وقف الاستيطان وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرض فلسطين، وأن السبيل الوحيد الذي يضمن تحرير الأرض وحماية عروبة فلسطين ووقف الاستيطان ودفع المستوطنين إلى العودة من حيث أتوا، إنما يكون عبر سلوك طريق المقاومة المسلحة والانتفاضة ومنع العدو من الاستقرار وبناء المستوطنات وتوفير الأمان والازدهار للمشروع الصهيوني للإتيان بالمزيد من المستوطنين من الخارج.
غير أن التيار الأول مع الأسف الشديد هو الذي تغلب، وكانت النتيجة أن تم توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم، لكن أي نظرة على ما حصل منذ توقيع هذا الاتفاق عام 1993، يتبين لنا أن من وقعوا هذا الاتفاق قد خاب ظنهم ورهانهم على تحقيق ما حلموا به، فأكبر بناء للمستوطنات تم في ظل اتفاق أوسلو، وكذلك أكبر عدد من المستوطنين تم جلبهم خلال العشرين سنة الماضية، حتى بلغ عدد المستوطنين حالياً في الضفة الغربية نحو 500 ألف، بينما كان هذا العدد عند توقيع اتفاق أوسلو دون 150 ألف مستوطن.
اليوم وبعد اندلاع الانتفاضة الثالثة، وعلى رغم تقطع عملياتها الفدائية وفعالياتها الشعبية، فإنها نجحت في إحداث تغيير في هذا المشهد، وقلب الصورة التي سادت على مدى أكثر من عشرين عاماً.
فبعد مرور أكثر من سنة على اندلاع الانتفاضة الثالثة التي يصر البعض على وصفها بالهبة، نجحت في قلب الصورة السلبية السائدة عندما هزت استقرار الكيان وجعلت المستوطنين يفقدون نعمة الأمن مما أدى إلى انعكاسات مباشرة على الاستيطان والهجرة معاً.
ويستدل على هذه النتيجة من مصدرين:
المصدر الأول: تقرير أصدرته مؤسسة القدس الدولية يرصد واقع مدينة القدس عبر ثلاثة أبواب رئيسية تشمل تهويد الأرض والمقدسات، السكان، الاحتلال وعمليات المواجهة في الفترة الممتدة من 1/7 حتى 31 /7 /2017.
ويؤكد التقرير أن الاحتلال الإسرائيلي صعد من حملته التهويدية والأمنية ضد القدس والمقدسيين، بداية شهر يوليو2017، وعمل منذ اليوم الأول على تنفيذ العديد من المشاريع التهويدية والإجراءات الأمنية البوليسية ضد المقدسيين، لكنه مع اندلاع هبة الأقصى في 14 يوليو واحتجاج المقدسيين على إجراءات الاحتلال الجديدة في الأقصى بعد العملية الفدائية التي نفذها ثلاثة شبان في محيط المسجد، انقلبت الحال وبات المشهد لصالح أهالي القدس المنتفضين في الشوارع، فأوقف الاحتلال مشاريعه التهويدية بشكل مؤقت خلال هبة الأقصى واستمر بحملات الاعتقال الجماعية والفردية.
وذكر التقرير الشهري أن قوات الاحتلال خضعت لمطالب المقدسيين بعد أسبوعيين من الحراك الجماهيري الحاشد في أزقة القدس وعند أبواب الأقصى واجبر الاحتلال الإسرائيلي على إعادة الوضع كما كان عليه قبل عملية الأقصى في 14 /7 /2017.
وعلى الرغم من أن هذه النتيجة هي مؤقتة إلاّ أنها تعكس دلالة مهمة تؤشر إلى أن طريق الانتفاضة والمقاومة وعدم الاستكانة في مواجهة الاحتلال هو السبيل لوقف الاستيطان وشل حركته.
المصدر الثاني: كشف تقرير نشرته وكالة وفا الفلسطينية الرسمية بتاريخ 14 /8 /2017، أنه للمرة الأولى منذ العام 2009 تم تسجيل ما يطلق عليه ميزان هجرة سلبي؛ حيث تبين أن عدد الذين تركوا (فلسطين المحتلة) البلاد كان أكثر من الذين هاجروا إليها.
وبحسب المعطيات فقد انتقل إلى خارج (فلسطين المحتلة) عام 2015، نحو 16.7 ألف (مستوطن) غالبيتهم عائلات بعد فترة تزيد على عام خارج البلاد، وفي العام نفسه هاجر إلى (فلسطين) فقط 8500 (مستوطن).
كما جاء في المعطيات «أن الحديث عن العدد الأقل من الإسرائيليين الذين هاجروا للعيش في البلاد مرة أخرى خلال الـ 12 عاماً الأخيرة، حيث إن أعداد الإسرائيليين الذين يقررون الهجرة مرة أخرى إلى فلسطين المحتلة في تراجع مستمر منذ العام 2012، وتبين أن نسبة الذين يغادرون البلاد اليوم تصل إلى 2 من كل 1000 في حين أن نسبة الذين يهاجرون مرة أخرى إلى البلاد تصل إلى 1 من كل 1000.
ويبدو أن الأسباب التي تدفع إلى ازدياد الهجرة المعاكسة تعود إلى العوامل الأمنية والاقتصادية الاجتماعية، وبالتوقف عند هذه العوامل يظهر أن استمرار مقاومة وانتفاضة الشعب العربي الفلسطيني من ناحية، وفشل الحروب الصهيونية المتتالية ضد قطاع غزة، وما أدى إليه ذلك من خسائر بشرية واقتصادية من ناحية ثانية، هي التي تقف وراء تراجع اقتناع المستوطنين في البقاء في فلسطين وزيادة أعداد المغادرين إلى خارج فلسطين المحتلة دون عودة، وتقلص أعداد اليهود الذين يرغبون بالهجرة إلى فلسطين.

بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي