كتاب وأراء

إسرائيل أكثر قلقا بعد هزائم «داعش»

على عكس الارتياح العام الذي يسود الشرق الأوسط للهزائم المتتالية التي يتلقاها تنظيم «داعش» في كل من العراق وسوريا، تشعر إسرائيل بمزيد من القلق خوفا من التحولات الدراماتيكية في موازين القوى الإقليمية والدولية التي تترتب على اختفاء التنظيم، وتراها تحولات تعمل لغير مصالحها الاستراتيجية في المنطقة من الناحيتين الأمنية والسياسية.
مؤشرات القلق وصلت إلى أقصى مداها غرابة فيما تم تداوله إعلاميا بخصوص ملاحظات كتبها رئيس مركز بيجن- السادات أفرام انبار تتعلق بتقدير المركز لوضع إسرائيل استراتيجيا في ضوء الهزائم التي لحقت بالتنظيم في الفترة الأخيرة. وأبرز ما جاء في هذه الملاحظات دعوة رئيس المركز إلى ضرورة الإبقاء على التنظيم بدلا من تدميره لأن التنظيم في تصوره يخدم الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل والولايات المتحدة والغرب عموما.
تقديرات رئيس مركز بيجن – السادات يصعب تعقلها من حيث وجود تطابق أيديولوجي أو فكري يجمع ما بين إسرائيل و«داعش»، ولكن يمكن تعقلها من ذاوية المصالح السياسية والأمنية. فالمؤكد أن إسرائيل استفادت إلى حد كبير من وجود «داعش» لأنه كان يشغل إيران عنها، كما يشغل النظام السورى أيضا أو يؤدى في النهاية إلى التعجيل بإسقاطه.
ما يستنتج من تصريحات لمسؤولين سياسيين وعسكريين وتقارير من وسائل الإعلام الإسرائيلية مؤخرا يميط اللثام عما لم يذكره رئيس المركز الإسرائيلي.
فخلاصة المشهد الراهن تتركز في استفادة النظام السوري من الهزائم المتتالية للتنظيم، وأضحى القبول بالدور الإيراني أمرا واقعيا من جانب أطراف أخرى مواقفها مؤثرة في مسار الأزمة، وكذلك قوة تأثير الدور الروسي، بينما يجري التراجع تدريجيا عن المسار الذي حدده مؤتمر جنيف-1. وعليه ما كانت إسرائيل تأمل أن تكون الأولوية هي في القضاء على «داعش» لأن القضاء عليه يعنى خروج الدول العظمى من ساحة الصراع، حيث تكون مهمتها قد انتهت، لتبقى إسرائيل وجه لوجه ضد إيران في سوريا وضد حزب الله في لبنان. ومن جهة أخرى فإن قدرات النظام السوري على اعتراض الهجمات الإسرائيلية الجوية تعاظمت، بل وتم تجربتها فعلا مما أعطى رسالة لإسرائيل بأن قدرات سلاح الجو الإسرائيلي تتراجع وفقا لما ذكره موقع «والا».
المساومات السياسية بين جميع الأطراف المنخرطة في الأزمة السورية هي الحاكمة في نهاية المطاف. ومن يتابع تطورات المشهد والمواقف والتحركات الإسرائيلية ربما يصل إلى استنتاج مؤداه أن المنطقة مقبلة على انفجار مدو. ولكن الحقائق الموضوعية الحاكمة للمساومات السياسية الجارية بين كل الأطراف بما فيها إسرائيل لا تؤكد ذلك، بل على العكس هناك رغبة عامة لتجاوز أية مشكلات يمكن أن تقود إلى الانفجار. ووفقا لما ذكرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية فإن روسيا يهمها الوصول إلى حل سياسي يمكنها من التأثير على سوريا عن بعد، وإخراج قواتها من هناك والحصول على نصيب اقتصادي ضمن إعادة إعمار الدولة، ومن جهتها يهم إيران الإقرار بشرعية دورها ليس في سوريا فقط بل في الشرق الأوسط ككل، والولايات المتحدة سلمت الملف لموسكو إما إقرارا بالأمر الواقع أو بهدف توريطها في أزمة لا يزال مصيرها مجهولا. ولكن موسكو معنية بإقناع إيران بألا تقدم على خطوة يكون من شأنها تعريض نظام الأسد للمشاكل وعرقلة الحل السلمي الذي تريده، وإدارة ترامب المضطربة تعاونت مع موسكو في إيجاد المناطق الآمنة لتحقيق تهدئة تمهد للحل السياسي ولم تعد في موضع يسمح لها بالصدام مع الدب الروسي هناك، ولكنها تضع خطوطا حمراء ترى ألا يتجاوزها الدور الإيراني في القلب منها عدم تهديد إسرائيل أمنيا، مقابل الحصول على شرعية دورها في الأزمة والمنطقة. وهكذا تجد الأطراف المعنية نفسها مضطرة للتعايش والتفاهم مع بعضها البعض بحكم ضرورات الواقع، ولكن الجديد هو أن إسرائيل أضحت في موقف صعب أمنيا وسياسيا لم يحدث منذ سنوات.

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد