كتاب وأراء

أبعد من العقوبات على روسيا

في عام 2006 فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على كوريا الشمالية لمنعها من أن تصبح دولة نووية. يومها كان جيم جونغ أون طالباً في الجامعة. وكان والده رئيساً للدولة.
وفي عام 2007 أجرت كوريا الشمالية، وقد اصبح جيم يونغ أون رئيساً، تجارب صاروخية ناجحة. وأجرت قبل ذلك تجارب نووية ناجحة أيضاً. وهذا يعني أن سلاح المقاطعة لم يكن فعّالاً. مع ذلك تصرّ الولايات المتحدة حاليا على استخدام هذا السلاح. ولكن هذه المرة ضد الاتحاد الروسي. وبالفعل أقرّ الكونغرس الأميركي مجموعة من العقوبات الجديدة.
الهدف من العقوبات هو حمل الرئيس فلاديمير بوتين على تغيير موقفه من قضية أوكرانيا، والانسحاب من شبه جزيرة القرم التي ضمّها إلى بلاده وإعادتها إلى أوكرانيا. فهل تنجح في ذلك؟
التجارب العملية تجيب بالنفي. فمنذ حصار ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، استُخدم سلاح المقاطعة أكثر من 200 مرة. ولكن من دون نتيجة تذكر. لقد كان يتطلّب على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة الوحدة الأفريقية أن تفرض مجتمعة العقوبات على دولة وسط افريقيا حتى توافق مضطرة على إجراء انتخابات عامة بعد الانقلاب العسكري الذي جرى في عام 2003. لم تؤدِ هذه العقوبات إلى القضاء حتى على الرئيس موغابي في زيمبابوي، ولا على الرئيس بشار الأسد في سوريا. ولعل أبرز مثال على فشل سلاح العقوبات هو صمود كوبا في وجه العقوبات والمقاطعة الأميركية طوال نصف قرن دون أن تتزحزح قيد أنملة عن نظامها الاقتصادي أو عن ثوابتها السياسية، رغم أنها لا تبعد سوى مائة ميل عن الشاطئ الأميركي.
لقد فشل سلاح المقاطعة في حمل تركيا على الانسحاب من قبرص، كما فشل في حمل كولومبيا على الانصياع إلى المطالب الأميركية في مواجهة عصابات المخدرات.
فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة معاً عقوبات على روسيا بهدف الضغط عليها للانسحاب من شبه جزيرة القرم. غير أن النتيجة جاءت على العكس من ذلك، إذ بادرت روسيا إلى تعزيز قواتها العسكرية في بحر البلطيق، مهددةً بشكل مباشر الدول التي خرجت من حضن الاتحاد السوفياتي السابق وألقت بنفسها في حضن حلف شمال الأطلسي.
أما العقوبات الأميركية الجديدة على روسيا فإنها متعددة الأهداف ولكن يبدو أنها غير قادرة على إصابة الهدف الأهم وهو ليّ ذراع الرئيس بوتين. ولا يعود ذلك إلى قوة ذراعه، أو إلى ضعف العقوبات، ولكن يعود إلى الموقف الأوروبي منها. فالعقوبات تستهدف في الدرجة الأولى صناعة النفط والغاز الروسية، والتي تعتمد بصورة كبيرة على المعدات وعلى التقنية الأميركية. غير أن المتضرر من ذلك هو دول الاتحاد الأوروبي التي تستورد نسبة عالية من حاجتها من الطاقة من الاتحاد الروسي. وبذلك تبدو العقوبات الأميركية وكأنها موجّهة ولو بصورة غير مباشرة إلى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا.
يدّعي الروس أن العقوبات الأميركية مقصودة لتعطيل إمدادات روسيا لدول أوروبة الغربية- وخاصة ألمانيا- بالنفط والغاز، ومن ثم لحمل هذه الدول- وخاصة ألمانيا أيضاً- على استيراد النفط الرملي من الولايات المتحدة. ومعروف أن النفط الرملي مرتفع الثمن لأن تكاليف إنتاجه مرتفعة.
من أجل ذلك تعتمد روسيا على المعارضة الأوروبية للعقوبات الأميركية التي تستهدفها. وبالفعل ارتفعت الأصوات الأوروبية منددةَ بالقرارات الجديدة التي اتخذها الكونغرس ضد روسيا- من دون التشاور مع الحلفاء-!!
ولعل الضحية الأولى للعقوبات الأميركية الجديدة هي خط أنابيب الغاز الجديد، والذي يبلغ طاقته 5 مليار متر مكعب من الغاز في السنة يمتد من سيبيريا في روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، والمعروف باسم (ستريم2). وتتشارك في تمويل المشروع شركات أوروبية مع شركة غازيروم الروسية. إلا إن المشروع لا يمكن غنجازه من دون الحصول على المعدات الفنية اللازمة من الولايات المتحدة، والتي تشملها قرارات المقاطعة الجديدة!!
بل إن هذه القرارات تعرّض للخطر حتى خط الأنابيب– البري (ستريم1) الذي يمر عبر أوكرانيا وبولندة، والذي يحتاج إلى صيانة بعد الأضرار المتعددة التي أصابته خلال الحرب الأوكرانية.
تعرف الولايات المتحدة أن حجم التبادل التجاري بين دول الاتحاد الأوروبي وروسيا أكبر من حجم التبادل التجاري معها.. وتعرف أيضاً أن العقوبات الأميركية ضد الاتحاد الروسي لن تقتصر على إلحاق الأذى بالاقتصاد الروسي وحده، ولكنها سوف تلحق الأذى بمصالح حلفائها الأوروبيين أيضاً.
من هنا السؤال: هل العقوبات الأميركية على روسيا تحمل رسالة إلى أوروبا أيضاً؟!..
بقلم : محمد السماك

محمد السماك