كتاب وأراء

في دلالات تجميد أموال المساعدات الأميركية لمصر

كان سامح شكري، وزير خارجية مصر، متواجدا في مطار مدينة فيانيوس، عاصمة ليتوانيا، ينتظر الطائرة التي ستقله إلى القاهرة مساء يوم 22 أغسطس الحالي، حين تلقى اتصالا هاتفيا من نظيره الأميركي، ريكس تيلرسون، لإحاطته علما بقرار الإدارة الأميركية شطب 100 مليون دولار من المعونة الأميركية، واحتجاز 200 مليون دولار أخرى لن يتم الافراج عنها إلا بعد التأكد من قيام مصر بتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان. وما كاد الوزير الأميركي يفرغ من حديثه مع الوزير المصري حتى كانت وكالة رويترز تبث تفاصيل الخبر مصحوبا بتحليلات مختلفة حول ملابساته.
حينها بدا الأمر وكأنه تجاوز نطاق الأخذ والرد في إطار المشاورات الدبلوماسية المعتادة، وأن القرار الأميركي صدر بالفعل، بل وأصبح الرأي العام العالمي طرفا فيه بعد قيام وسائل الإعلام ببثه وتداوله على نطاق واسع.
لاشك أن السلطات المصرية فوجئت بهذا القرار الذي كان له وقع الصدمة عليها. فالانطباع السائد في مصر حتى من قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وبالذات منذ اللقاء الشهير الذي جرى بين الرئيس السيسي ودونالد ترامب في سبتمبر من العام الماضي، وأسفر عن شعور متبادل بالإعجاب بين الرجلين، كان يشي بوجود قناعة لدى السلطات المصرية بأن العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية ستشهد نقلة نوعية في عهد ترامب. لذا لم يكن غريبا أن يعكس بيان وزارة الخارجية المصرية إحساسا بالصدمة ممزوجا بالدهشة والعجز عن استيعاب ما جرى. ضاعف من هذا الإحساس أن القرار الأميركي بخفض وتجميد جانب من المعونة المقدمة لمصر أعلن لحظة وصول جاريد كوشنر، زوج ابنة الرئيس ترامب ومستشاره المكلف بمتابعة ملف الصراع العربي- الإسرائيلي، وقبل بضعة أسابيع فقط من الموعد المحدد لإجراء مناورات مشتركة بين القوات المسلحة الأميركية والمصرية.
وصف بيان وزارة الخارجية المصرية القرار الأميركي بأنه «يعكس خلطا في الأوراق وسوء تقدير لطبيعة العلاقة الاستراتيجية التي تربط البلدين، وينم عن نهج يفتقر للفهم الدقيق لأهمية دعم استقرار مصر ونجاح تجربتها». بل ذهب البيان إلى ما هو أبعد حد حذر من «تداعياته السلبية على المصالح المصرية الأميركية المشتركة». ولأن النبرة المستخدمة في هذا البيان الرسمي ليست مألوفة، فضلا عن قيام بعض وسائل الإعلام المصرية بالترويج لخبر يشير إلى احتمال إلغاء وزير الخارجية المصري للقاء محدد سلفا مع كوشنر، فقد بدت العلاقات المصرية- الأميركية وكأنها على وشك الدخول في أزمة جديدة وعميقة. غير أن محاولات سريعة جرت لاحتوائها في مهدها، خصوصا وأن ترامب بادر بالاتصال بالرئيس السيسي لطمأنته على مستقبل هذه العلاقات.
في تفسير أسباب ودلالات القرار الأميركي ظهرت اجتهادات عديدة. فمن قائل إنه يعكس ارتباكا وعدم تجانس بين مراكز صناعة القرار الأميركي، ومن قائل إنه يعكس مهارة في إتقان لعبة توزيع الأدوار بين هذه المراكز، ومن قائل بأنه ناجم عن ضغوط يمارسها اللوبي الأميركي المتحدث باسم شبكة المصالح الدولية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين وبالقوى الدولية والإقليمية التي تساندها. وأيا كان الأمر فلا شك أن ملابسات هذا الموضوع عكست ثلاث حقائق لم تعد تقبل الجدل:
الحقيقة الأولى: ان النظام المصري يرتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان لا تمس المنتمين فقط لجماعة الإخوان أو لتيار الإسلام السياسي وإنما تشمل الجميع وتتضمن تضييقا كبيرا لمجال الحريات ولنشاط المجتمع المدني.
الحقيقة الثانية: أن السياسات التي يعتمدها النظام المصري في مكافحة الإرهاب قد تأتي بنتائج عكسية على المدى الطويل.
الحقيقة الثالثة: أن دور مصر الإقليمي والدولي يتآكل بسبب تأكل التأييد الشعبي للنظام الحاكم فيها، وبالتالي فلن يكون بوسع هذا النظام مقاومة الضغوط الخارجية إلا بإعادة ترتيب أوراقه الداخلية والانفتاح على كل القوى السياسية التي لا تحمل السلاح.
بقلم:د. حسن نافعة

د. حسن نافعة