كتاب وأراء

التعليم الفني والتمييز الطبقي

دعاني صديق فاضل (أستاذ شهير بكلية العلوم في الإسكندرية) يوم السبت الفائت لحضور ندوة مهمة يقوم بإلقائها صديق آخر وهو وزير تعليم سابق في مصر وتستضيفها دار نقابة المهن العلمية عن «أزمة التعليم الفني». وتحدث المحاضر، المتمكن من مادته نظريا وعمليا، عن دور وأهمية التعليم الفني في إحداث التنمية ومدى حاجة الاقتصادات الحديثة القائمة على التكنولوجيا المتقدمة للتعليم الفني.
وتنبأ المحاضر بأنه في غضون سنوات قليلة (خمس إلى سبع سنوات) ستبدأ السيارات بدون سائق والأجهزة المنزلية الحديثة التي يمكنها التحدث لمالكيها والاستجابة لطلباتهم وأوامرهم كما يمكنها التحدث والتفاعل مع الأجهزة الأخرى بالمنزل من غزو الأسواق.
ومثال لتلك الأجهزة ما يمكنه التحكم في أضواء المنزل وفي درجة حرارته ونظم سلامته ووسائل اتصاله وما يمكنه من تشغيل مواقد الطهي وإيقافها في فترات زمنية معينة وما يمكن للثلاجة مثلا من أن تمد الميكروويف بما يمكن إعداده من طعام قبل قدوم أصحاب المنزل. هذه ليست أفلام خيال علمي وإنما هذه حقيقة واقعة الآن، بل إن هناك العديد من السيارات الآن تعمل بدون سائق، وهناك خطط لبعض الدول الأوروبية تنص على أنه بحلول 2022 لابد وأن تكون نسبة السيارات بدون سائق تتعدى 25% من إجمالي السيارات على الطرق. كما أن هناك العديد من المنازل في أميركا الآن تمتلك وتشتغل فيها مثل هذه الأجهزة الذكية التي تنفذ أوامر مالكيها وتتفاعل مع أجهزة أخرى في المنزل، ومن ثم فالمستقبل كله في سوق العمل سيكون للعمال المؤهلين فنيا والذين يمكنهم التعامل مع هذه التكنولوجيا المتقدمة. فهل تم الاستعداد في البلاد العربية لمثل هذه التطورات المتلاحقة والتي تحدث بشكل ثوري؟ الإجابة بالضرورة سلبية ولا يوجد بلد عربي يستعد من الآن لمثل هذه التغيرات التي تحتم من تغيير واقع التعليم الجامعي والفني ليتماشى مع الواقع العالمي.
في الحقيقة أنه رغم أن الاقتصادات العربية أصبحت تولد فرص عمل لفنيين وعمال مهرة وأصحاب خبرات تكنولوجية متقدمة إلا أن واقع التعليم الجامعي أو الأكاديمي ما زال كما هو ولم يتغير خلال الثلاثين عاما الماضية. ما زال هناك إقبال على التعليم الجامعي والأكاديمي وعزوف عن التعليم الفني أو التطبيقي. فبحسب الإحصاءات العالمية والصادرة عن الهيئات الموثوق بها مثل التقارير الصادرة عن المفوضية الأوروبية فإن نسبة الذين يلتحقون أو يكملون تعليمهم الأكاديمي الجامعي تتراوح بين 20 و25 في المائة من إجمالي الطلاب في دول مثل الولايات المتحدة والنمسا والسويد وألمانيا، في حين أن النسبة المماثلة في دول عربية مثل مصر وتونس والأردن ودول الخليج فهي تتراوح بين 70 و75 في المائة.
ومن اهم العوامل التي تؤدي إلى عزوف الشباب عن الانضمام إلى التعليم المهني وتفضيلهم التعليم الجامعي أو الأكاديمي هو العامل الاجتماعي الخاص «بالنظرة الدونية» التي ينظرها المجتمع إلى تلك التخصصات وذلك على الرغم أحيانا كثيرة من العائد المادي المرتفع الذي يعود به العمل المهني على صاحبه.
بل إن هناك الكثير من الشباب الذين يلتحقون بالتعليم الجامعي أو الأكاديمي يعتبر أن الشهادة الجامعية مسوغ يمكنه من الزواج فقط ولا يستعمله في سوق العمل. وعلى الرغم أن هذه النظرة الدونية للعمل المهني أو العمل اليدوي من مخلفات القرن الماضي ومن الموروث الاستعماري إلا أن هناك غالبية من الشعوب العربية ما زالت تنظر نظرة سطحية إلى مخرجات التعليم وتعتبر أن صاحب الشهادة الجامعية أكثر ذكاء وأكثر احتراما من صاحب الشهادة الفنية.
وفى الحقيقة إن هذا التمييز الطبقي المقيت بين خريجي التعليم الجامعي والتعليم الفني لا أراه يتضاءل أو تخف حدته مع مرور الوقت في بلادنا العربية بل أراه يستفحل ويتجذر وكأننا نتحول إلى نظام «الكاست» الذي كان يمارس في الهند إلى وقت قريب والذي يمنع أي حراك اجتماعي يمكنه من إذابة الفوارق وإرساء مبادئ العدالة الاجتماعية بين أفراد الشعب الواحد. دليلي على ذلك المعارك الطاحنة التي تدور بين نقابات المهنيين من أطباء ومهندسين وخريجي المعاهد الفنية التي يجاهد أصحابها للانضمام لمثل هذه النقابات. أيضا ما معنى أن تضع المدارس الخاصة المرتفعة التكاليف- إلى حدود مبالغ فيها أحيانا- من أوائل شروطها لقبول الأطفال أن يكون الوالدان حاصلين على مؤهل جامعي؟! في الحقيقة ما معنى أن تكون هناك وزارة للتعليم «العالي» وماذا تعني كلمة «عالي» بالمقارنة بالتعليم الآخر!
بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي