كتاب وأراء

روبرت ليتل وجبل طارق.. و«أنا »

تلقيت خبراً، لم يتأكد بعد، يفيد أن «روبرت ليتل» رحل في هدوء داخل شقته في أحد أحياء جنوب لندن. لكن من هو روبرت ليتل هذا؟
جاء روبرت ليتل من لندن. وجئت أنا من الرباط إلى جبل طارق لنغطي الحدث نفسه للصحيفة نفسها. لم نكن نعرف بعضنا بعضاً ولم يكن هناك تنسيق بيننا، ولم تكن إدارة الصحيفة تعرف أنها أوفدت مراسلين للمهمة نفسها.
كيف حدث ذلك؟ قبل الشرح لا بد من بعض التفاصيل.
في الصحافة الأوروبية، خاصة المؤسسات العريقة، يتم عادة اختيار قيادات التحرير من المحررين البارزين في المؤسسة. أولئك الذين تنقلوا بين أقسام التحرير وساهموا في تغطية أحداث مهمة، وأصبحت لهم القدرة على إدارة فريق صحافي.
إذا ما اكتسب أحد هؤلاء تجربة خارجية، كأن يعمل مراسلاً لصحيفته في أحد المواقع المهمة، فإن حظوظه تصبح وافرة لشغل منصب قيادي في الصحيفة.
لكن توجد فئة ليست محظوظة، كما هو الشأن في كل مجال، هؤلاء الذين يفضلون العمل دون قيود وظيفية طالما تعذر عليهم الحصول على موقع قيادي في إحدى المؤسسات، بعد أن يكونوا قد عملوا لسنوات في التحرير المركزي أو كمراسلين.
ويطلق على هؤلاء بالإنجليزية «فري لانس» ( FRLANCE ) وجدت أن ترجمتها الحرفية كالتالي «صحافي يزود الصحف والمجلات بإنتاجاته دون أن يكون محرراً رسمياً فيها». عادة ما يكون لهذه الفئة دخل معقول من سنوات عملهم الوظيفي. يكتبون ما يروق لهم وأوضاعهم المالية مستقرة.
الآن أعود إلى روبرت ليتل.
كان مستر ليتل من الصحافيين الذين يكتبون بالقطعة (بالمقاييس الأوروبية).
جاء إلى جبل طارق على نفقته الخاصة ليكتب إستطلاعات لعدد من الصحف التي تصدر من لندن، ومن بينها صحيفة كنت أعمل معها أيامئذ. أعتبر ليتل أن إنجاز إستطلاع حول جبل طارق، نظرا لوجود جالية مغربية مهمة لها مشاكل لا تحصى، سيكون مغرياً لكي تشتري منه الصحيفة عدة مواد.
شرح لي روبرت ليتل الأمر بصراحة، واتفقنا أن يتناول كل منا مشاكل جبل طارق من زاوية خاصة. نشرت وقتها إستطلاعاً حول جبل طارق ركزت فيه على مشاكل الجالية المغربية هناك، وبعد أيام نشر روبرت ليتل في الصحيفة نفسها إستطلاعاً آخر عن جبل طارق تطرق فيه إلى الخلاف البريطاني الإسباني حول الصخرة.
بعد أسابيع إتصلت بالرجل هاتفياً من الرباط، وسألته السؤال الذي يزعج عادة الناس في الغرب. قلت له : مستر ليتل بصراحة كم دفعوا لك؟
أجابني ايضاً بصراحة لاكتشف ان ما دفع له يعادل نصف راتبي الشهري.
قلت له على الهاتف: مستر ليتل هل يمكنني أن أعمل معك بالقطعة؟
لا أدري إذا كان وقتها قد فهم المزحة.
توطدت بعدها علاقتي مع رويرت ليتل، خاصة إن كلينا أصبحنا متخصصين في «جبل طارق».
بعد أن غادر روبرت ليتيل دنيا الناس هذه..ربما أصبحت «الوحيد» المتخصص في «شؤون جبل طارق» حيث لم يبق للعرب هناك سوى «الاسم».

بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل