كتاب وأراء

المخيمات الفلسطينية رهينة السلاح الميليشياوي

حياة بائسة هي تلك التي يعيشها سكان المخيمات الفلسطينية في الشتات. تسودها الفوضى وتحكمها شريعة الغاب، وينعدم الأمن ويهمن السلاح الميليشياوي المتفلت! أضحت مكانا للاقتتال والقتل المجاني والصراع التافه على النفوذ! وأي نفوذ... مخيم عين الحلوة، على سبيل المثال، هو أهم وأكبر مخيم في جنوب لبنان، تبلغ مساحته نحو كيلومتر مربع واحد فقط، ويتعايش في داخله وعلى أرضه 80 ألف شخص؟! تتصارع عليه عشرات الفصائل والمجموعات والعصابات والشلل التي تستعمل كل أنواع السلاح. تعرض عضلاتها، تتبارز، تمارس عنترياتها، تتحدى بعضها البعض في الشوارع والزواريب والأزقة.
تحتدم المواجهات والمعارك لأسباب تافهة وبدائية، وبوتيرة شهرية ان لم تكن اسبوعية أحيانا!
السلاح هو علة وجودهم، تجسيدا للمثل القائل: «السلاح زينة الرجال»! كلهم يرفعون شعار تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وكلهم يقارعون الاميربالية والصهيونية، ويرفضون الحلول الاستسلامية والتسويات والمفاوضات. وكلهم يتناسون في الوقت عينه ان هناك أناس مقهورين يريدون ان يعيشوا بكرامة وسلام، وأن يربوا أطفالهم وشبانهم وشاباتهم، ولو في ظروف إنسانية سيئة يسودها البؤس والشقاء. يريدون ان يخبروا أولادهم عن فلسطين بلدهم التي يراد استرجاعها والعودة اليها. لديهم من دون شك الرغبة في ان يروا حكاية القضية إلى جيل لا يعرف عنها شيئا، جيل ولد في دول الشتات بعد خمسين وستين سنة من النكبة والنزوح والتشرد. لا ان يشهدوا بطبيعة الحال على تحول أولادهم إلى مسلحين مرتزقة يمتهنون القتل. جيل ثالث ورابع لا يعرف من فلسطين الا ما يعيشه وما يحصل أمامه في المخيمات، وفي المحيط القريب والبعيد. في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين... كيف تتم معاملة الفلسطينيين المقيمين وكيف يتم حرمانهم من أبسط حقوقهم المدنية والإنسانية، وكيف يتم التنكيل بهم ومحاولة تجنيدهم للدفاع عن أنظمة عربية مستبدة تقمعهم وتتاجر باسم فلسطين، وكيف دمر على سبيل المثال بشار الأسد مخيم اليرموك، أكبر المخيمات الفلسطينية، وشرد سكانه لانه لم يتمكن من تجنيدهم بالكامل ليقاتلوا في صفوفه. وهذه ايضا مسؤولية تلك الفصائل التي نمت في أحضان الانظمة القومية الشوفينية، وبالأخص «البعثية» منها، التي سعت دوما إلى وضع يدها على القضية الفلسطينية والامساك بالقرار الفلسطيني. هل نسينا يوم قام النظام السوري بطرد ياسر عرفات من سوريا عام 1983 بعد ان حاصرته إسرائيل وحاولت اغتياله في بيروت على اثر اجتياحها لبنان في صيف 1982. وبعض هذه الفصائل أصبح اليوم في صفوف «داعش» لا بل من مؤسسيه وقياداته أو متبنيا لفكره الاستئصالي!
فها هو مخيم عين الحلوة يعج بمثل هذه العصابات وبزعماء الزواريب الذين يعملون لصالح «محور الممانعة». يتحركون على خط طهران-دمشق، جاهزون غب الطلب، يفجرون المعارك بالتزامن مع بدء معركة الجيش اللبناني لتحرير الجرود اللبنانية المتاخمة للحدود السورية كما يفعلون هذه الأيام، من سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية» المتحصن هناك منذ ثلاث سنوات. مجموعات من عشرات المسلحين فقط تشعل معارك داخل المخيم مع التنظيمات الرئيسية، مع حركة فتح» على وجه التحديد، مستفيدين من قرار قديم - لا بد من الغائه - بعدم دخول الجيش اللبناني إلى المخيمات. وتسود في المخيم شريعة الغاب وتدور الاشتباكات التي تحصد الابرياء، ويتحول إلى بؤرة لكل شيء، يعشعش في داخله كل نماذج العنف والتطرف والإرهاب، ويتحول إلى ملجأ للمطلوبين والخارجين على القانون. كما انه يشكل مرتعا للعديد من أجهزة الاستخبارات. وانما لا يحق للأجهزة الأمنية اللبنانية الدخول لاعتقالهم وفرض تطبيق القانون. علما ان ثمانية من اصل عشرة مخيمات تقع عمليا تحت السيطرة الأمنية ل»حزب الله». كما انه لا بد بالمقابل من الغاء بعض القوانين والاجراءات اللبنانية التي تفرض حصارا مذلا ومعيبا يمنع الاهالي من ادخال مواد البناء إلى داخل المخيمات لكي تبقى المساكن بحكم الموقتة مشيدة من صفيح وطين وخشب وما شابه منعا للتوطين!.
معاناة ما بعدها معاناة!
بئس المصير!
بقلم :سعد كيوان

سعد كيوان