كتاب وأراء

بيغ بن وهارون الرشيد

الموبايلات وغيرها أفقدت ساعات اليد مكانتها في قائمة أثمن الهدايا، غير أنه ربما أن طفرات التكنولوجيا القادمة ستنجح في إضافة مهام لساعات اليد فتكون كمبيوتر يمكن أن ترى شاشته بحجم شاشة اللاب توب بواسطة نظارة خاصة، كما يمكن أن تكون شاشة فضائيات وراديو.. الخ بكل الأحوال لا يستغني المرء عن ساعة يده، ولهذا خلت ميادين بمدن ومحطات المترو، وشوارع رئيسية من ساعات ضخمة، ومع ذلك لا يطيق الإنجليز الاستغناء عن ساعتهم الشهيرة بيغ بن، التي تحولت إلى رمز ثقافي وسياحي لا يستغنى عنه، حتى أنه حينما أعلن مؤخرا أنها ستعطل أربع سنوات لصيانة البرج الذي يحملها، غضب الجميع. ويبدو أن الإنجليز في حالة ثورة هادئة، فقرروا «البريكست» للانسلاخ عن أوروبا، وها هم يجرون صيانة جذرية لساعتهم الشهيرة بيغ بن. وعلى الرغم من أن العرب أقدم شعوب العالم اهتماما بالساعات، إلا أن معظم عواصم أمتنا تخلو ميادينها من ساعة بشهرة بيغ بن، فمن المعروف أن هارون الرشيد أرسل إلى الملك الفرنسي شارلمان ساعة مائية من النحاس الأصفر بارتفاع نحو أربعة أمتار وتتحرك بواسطة قوة مائية، وعند تمام كل ساعة يسقط منها عدد من الكرات المعدنية يتبع بعضها البعض الآخر بحسب عدد الساعات فوق قاعدة نحاسية فتحدث رنينا جميلا في أنحاء القصر الامبراطوري، وبحسب موسوعة عالمية للمعلومات كانت هذه الساعة مصممة بحيث يفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة ويخرج منه فارس يدور حول الساعة ثم يعود إلى المكان الذي خرج منه وعندما تحين الساعة الثانية عشرة يخرج اثنا عشر فارسا مرة واحدة يدورون دورة كاملة ثم يعودون من حيث أتوا وتغلق الأبواب خلفهم، وأثارت هذه الساعة دهشة الملك وحاشيته، واعتقد رهبان الملك أن في داخل الساعة شيطانا يسكنها ويحركها، وجاؤوا إلى الساعة أثناء الليل، واحضروا معهم فؤوسا وحطموها إلا أنهم لم يجدوا بداخلها شيئا سوى آلاتها، وقد حزن الملك شارلمان حزنا بالغا واستدعى حشدا من العلماء والصناع المهرة لمحاولة إصلاح الساعة وإعادة تشغيلها، لكن المحاولة فشلت، فعرض عليه بعض مستشاريه أن يخاطب الخليفة هارون الرشيد ليبعث فريقا عربيا لإصلاحها فقال شارلمان «إنني أشعر بخجل شديد أن يعرف ملك بغداد أننا ارتكبنا عارا باسم فرنسا كلها» ورغم هذا التاريخ المذهل للعرب في صناعة ساعة هارون الرشيد، لم يصنع الأحفاد ساعة بجمالها وعبقريتها، بل ولم يحاولوا أن يقيموا مثلها بميادين حواضر عربية لتنافس بيغ بن.
الغريب في الأمر أيضا أن هناك قصة تتردد لا أعرف مدى صدقيتها تقول إن ساعة بيغ بن رمز بريطانيا الوطني تعمل بمحرك فلسطيني عثماني مسروق.
وتشير هذه التقارير حول هذا الشأن إلى أن الساعة كانت تزين باب الخليل في القدس وتطلق أجراسها في كل ساعة، إلا أن الجنرال اللنبي أمر بتفكيكها وسرقتها وضعها في متحف لندن عام 1922 وتم نقل محرك الساعة إلى ساعة بيغ بن!! الأمر يحتاج إلى بحث وتنقيب، ولكن الأهم ضرورة استلهام ساعة هارون الرشيد لتتزين بها عواصم عربية وتكون المنافس الأكبر لبيغ بن.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي